
التعارف الشخصي
لا يكفي أن نعرف من هو يسوع، يلزم جداً أن نعرف يسوع، وأن نتقابل معه.
الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا هو أصحاح للتعارف ، يبتدىء فيه القديس يوحنا الرسول يعرف الناس من هو الرب يسوع ، وكان تعريفه واضحاً ، ومنذ ذلك الزمان والبشرية تعرف الرب أنه أبن الله الكلمة المتجسد ؛ ثم على مدى الأصحاح يسرد الرسول كيف تعرف الناس على يسوع شخصياً ، كيف تقابلوا معه ، وكيف تعرف هو عليهم وقابلهم .
لا بد من المقابلة الشخصية للتعارف بيسوع .
صحیح أن يوحنا الرسول عرفنا من هو المسيح كما عرفه ، ولكن لا يكفي أن نعرف من هو يسوع ، يلزم جداً أن نعرف يسوع ، وأن نتقابل معه .
يسوع هو المحبة فيلزم أن نأخذه، وهو الحق و يلزم أن نختبره، وهو الحياة ويجب أن نحياه .
يسوع هو الباب يلزم أن ندخله، وهو الطريق و يلزم أن نسيره، وهو الكلمة و يلزم أن نعقله .
إذن، لا يكفي يا إخوة أن نعرف من هو الرب بكثرة المعارف التي في الكتب، بل يلزم أن نعرفه شخصياً ، ولا يمكن أن نعرفه شخصياً إلا إذا تقابلنا معه ؛ نأخذه ، ونختبره، نحياه، ندخله، نسلكه ، نعقله . الرب متواضع ، هو يسبقك إلى المقابلة و يسبقك إلى التعارف ، هو يريدك قبل أن تريده ، و يتمنى أن تحبه كما يحبك .
كثيرون التقوا بيسوع ومن كثرة اتضاعه لم يعرفوه ؛ وبعضهم عثروا فيه، ولم يعرف يسوع إلا المتواضعون.... وعلى قدر تواضعنا يُستَعلن لنا الرب ...
مقابلات مع يسوع
١ - يقص يوحنا الرسول قصة مقابلة المعمدان مع يسوع هكذا :
وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه » (يوا : ٢٩)؛ ولكن لم يأت يسوع إلى المعمدان إلا بعد أن اعترف المعمدان بالمسيح وشهد له .
لا بد يا إخوة من الإعتراف والشهادة حتى تحصل المقابلة وتتم الرؤيا .
٢ - ثم يقص الرسول قصة مقابلة تلميذين كانا مع المعمدان وتركاه ليتبعا يسوع :
وفي الغد أيضاً كان يوحنا المعمدان واقفاً هو وإثنان من تلاميذه... فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع » (يوا : ٣٧٣٥)
لقد صمم التلميذان أن يتبعا يسوع لما سمعا كلامه، كلامه يبهج النفس ويجذب القلب، كل من يسمعه يود أن يحياه و يشتاق أن لا ينساه قط و يريد أن يتبعه ، كلامه كان عند التلميذين كروح يدعوهم ، فتركا يوحنا وتبعاه .
لا بد يا إخوة أن نسمع كلام يسوع حتى نستطيع أن نترك كل شيء ونصير من التلاميذ . ولا يستطيع أحد أن يسمع كلام يسوع و يبقى للعالم.
فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان فقال لهما ماذا تطلبان ؟ » (يوا : ۳۸). إن المسيح يسأل دائماً الذين يتبعونه عن مطلبهم فيه وقصدهم من اتباعه ؟ لأن كثيرين يطلبونه لأجل آية وكثير ين يتبعونه من أجل الطعام البائد . هو لا يشاء أن يأتى إليه إلا من يطلبه شخصياً ، الروح يرشدنا أن نطلب شخص يسوع ، وكل الذين يطلبون يسوع بالروح يطلبونه كرب .
فقالا : ربي الذي تفسيره يا معلم أين تمكث ؟» (يوا : ۳۸). لقد صار واضحاً من كلامهما أنهما مدعوان بالروح لما نطقا بالكلمة «ربي » لأنه ليس أحد يقدر أن يقول إن يسوع رب إلا بالروح كو ٣:١٢)... لذلك قال لهما المسيح تعاليا وانظرا» (يوا : ٣٩) . كل من يطلب يسوع بالروح لا بد أن يسمع منه دعوة للمجيء ودعوة للرؤيا .
يقول الكتاب إنهما أتيا ونظرا ... ومكثا عنده . » (يوا : ٣٩)
المسيح يطلب أن يتبعه الناس يمكثوا عنده، ويصيروا له . كلام يسوع دعوة للتعارف معه .
ثم يقص يوحنا الرسول قصة مقابلة أخرى لعلها تكون معك :
وفي الغد أراد يسوع أن يخرج إلى الجليل فوجد فيلبس فقال له : اتبعني ! » ( يوا : ٤٣ )
هل لم يكن يوجد في الجليل إلا فيلبس ؟
إن جليليين كثيرين تقابلوا مع يسوع ، ولكن إلى فيلبس فقط قال « اتبعني » .
لا تسأل لماذا ، ولكن انتبه لئلا تكون أنت فيلبس ، وإذ تتشاغل بأسئلة كثيرة تفوتك الدعوة .
إن كلام يسوع حينما تقرأه تجده يشير نحوك ، كلامه كعين شاخصة إليك، لا تلتفت إلى غيرك ولا تنظر إلى الجليل المرفوض ، أنت فيلبس ، ألا تريد ؟
خروج يسوع إلى الجليل كان ليلتقي بفيلبس ليدعوه، والآن خرج صوته إلى كل أقطار المسكونة ليدعو، يدعو كل واحد ؛ كل واحد قد صار فيلبس، العالم كله صار عند المسيح مثل فيلبس لأنه مات عن العالم كله ليدعو كل العالم إليه .
فيلبس سيبكت العالم الراجع عن المسيح ، لأن فيلبس قبل الدعوة تواً . هل تقبل أن تبكت مع العالم الراجع عن المسيح ؟
٣ - ثم يقص يوحنا الرسول قصة أخيرة عن دعوة للمقابلة لعلها تكون دعوتنا :
فيلبس وجد نثنائيل . وقال له وجدنا ( يسوع ) الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء . » (يو١ : ٤٥ )
فيلبس لما قبل الدعوة وجد يسوع ، هو يقول هكذا « وجدنا يسوع » ، ما أعجبه اكتشاف وما أثمنه وجود ، متى يارب نجدك كفيلبس ؟ فيلبس وجد المسيح بتحقيق . قد وجده وجوداً أكيداً ، لقد راجع وجوده على ناموس موسى والأنبياء جميعاً فوجده هو هو !! يا لفرحة الإكتشاف ، يا ليقين الوجود، متى نفرح بيقين وجودك يارب . عبثاً تحاول أن تجد يسوع إن أنت لم تقبل دعوته . وأن تجد المسيح تجد التجديد والبعث بروح قيامة لحياة أبدية .
فيلبس وجد نثنائيل، وقال له وجدنا يسوع ... تعال وانظر . فيلبس يصير كارزاً، يدعو نثنائيل للمجيء إلى يسوع ، فيلبس وجد المسيح حقاً بتأكيد، وتقابل معه شخصياً وتعرف عليه وصار من التابعين .
كل من يجد المسيح هكذا يستطيع أن يدعو الناس إليه . فيلبس يكرز بما وجد ، يبشر بما رأى تعال وانظر» . قالها يسوع لتلميذي المعمدان، وقالها فيلبس لنثنائيل، هي سُنَّة الكرازة : مقابلة ورؤيا ، هي طريق الكارزين : مسير ثم قيادة ، نظر ثم توجيه : ( الروح والعروس يقولان تعال ، ومن يسمع فليقل تعال . » (رؤ ۱۷:۲۲)
فيلبس واسطة تعارف ، يدعو كما دعي ، ليجد الناس ما وجد، وليرى الناس ما رأى . هذه هي الكرازة : حقيقة، لا يدعو إليها إلا من وجدها .
رأى يسوع نثنائيل مقبلاً إليه ، فقال عنه هوذا إسرائيلي حقاً لا غش فيه ؛ قال له نثنائيل من أين تعرفني ؟
أجاب يسوع وقال له قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك . » ( يوا : ٤٧ و ٤٨ )
لقد أقبل نثنائيل ليرى يسوع ، ليتعارف عليه ، ولم يكن يظن أبداً أن يسوع سبق فعرفه ، سبق فرآه تحت التينة قبل أن يدعوه فيلبس .
كل من لم يجد يسوع بعد يظن أنه غير معروف عند يسوع ، ولكن حينما تقبل إليه ونعرفه حينئذ نعرف أنه كان يرانا ، كان يتتبعنا ، كان يرصد حركاتنا، كان يتعقبنا في كل مكان .
لقد وجدنا يسوع
دعوة تغيّر الحياة، وقلب يتحول.
دعوة إلى معرفة يسوع
يا إخوة إن كلماتي هذه هي أيضاً دعوة ، ودعوة إلى معرفة يسوع . هي دعوة إلى الوحدة وهي دعوة إلى المحبة أيضاً ، لأنه ليس حب دون معرفة ، إن تعرفه تحبه ، أو كيف تحب من لم تعرفه ؟ حينما تكمل المعرفة يكمل الحب وتكمل الوحدة بالضرورة ....
إذا انقسمت المعرفة وتشيّعت في المسيح ، انقسم الحب وانفصمت الوحدة . إن انقسام الحب وتفتت الوحدة دليل تشيع المعرفة وتفرقها .
لا يمكن أن نتشيع في معرفة ربنا يسوع المسيح ، ثم نبقى في الحب أو نبقى في الوحدة .
يسوع يدعو لملكوت واحد، ولا أحد يدخله إلا بيسوع ؛ لأنه قد صار الطريق الوحيد إلى ملكوت الله لأنه هو الوحيد الذي صالح الإنسان بالله ، وصارت لنا فيه المصالحة .
إثنان متخاصمان لا يدخلان ملكوت الله ، لأنه لا يوجد ملكوتان . هو ملكوت واحد ، وطريقه المصالحة .
التخاصم إغفال للصليب ، إمتهان لجهد المسيح وكرازته ، إحتقار لعمل المصالحة الذي لا يزال يكمله الرب يسوع لدى الآب بالشفاعة . التخاصم في المسيحية، ليس هو العراك الجسدي أو التراشق بالألفاظ التي تجرح أو القطيعة مع البغضة أو الإنعزال مع النقمة، لأن هذه الأنواع ليست في المسيحية جملة وليس لها مدلول في المسيحية، هي اللامسيحية بإختصار.
ولكن التخاصم في المسيحية هو الإنقسام الفكري، هو التراشق بالمبادىء المتعارضة المتخالفة التي تجرح ، لا المتخاصمين ، بل المسيح ! التخاصم في المسيح هو القطيعة والإنعزال في المبادىء !
التخاصم في المسيح هو الإختلاف في معرفته ، هو نعم ولا في المسيح الواحد !!
وحينما يختلف إثنان في أمر من أمور المسيح ، يقف الصليب بينهما يشفع في اختلافهما . والذي يفضل الصليب على الخصومة يغلب، أما إذا تشاغل الإثنان في الخصام وأهملا الصليب ، يُرفع الصليب من بينهما فيواجهان معاً غضب الله .
حينما يختلف إثنان في معرفة المسيح ، يتآمران على المحبة .
معرفة المسيح ليس فيها اختلاف ، لأن المحبة لا يختلف فيها إثنان .
لا يعرف المسيح إلا المحبون .
إذا اتفق إثنان في معرفة المسيح اتفقا في الحب، وصارا متحدين بالروح ، معرفة المسيح هي الإلتصاق بالرب التي تكلم عنها بولس . (١) كو٦ : ١٧)
معرفة يسوع هي المجال الإلهي ، الذي إذا انجذب إليه أحد انحصر في الحب وصار من التابعين...
كل الذين تحصرهم معرفة يسوع ، يضمهم مجال واحد منتظم من الحق والحب والوحدة .
نحن ندعو لمعرفة يسوع
معرفة يسوع أساس عبادتنا
عبادة موضوعية
معرفة شخص يسوع
يسوع ليس هو مجرد موضوع للمعرفة وليس هو مجرد موضوع للإيمان، ليس هو مجرد موضوع للعبادة؛ إن كنا نظن ذلك فنحن نلغي شخصية يسوع ولا نستطيع أن نحبه ، نجعل بيننا وبينه هوة عميقة من العبادة الفكرية .
الله ذات ، ولا يمكن أن يُعبد الله إلا في ذاته ، ، يسوع هو أبن الله تشخص للبشرية ليعلن لنا الله وليكشف لنا عن ذاته .
يسوع هو استعلان لذات الله ، حتى نستطيع أن نعبد الله في ذات قريبة حبيبة ، في شخص يُظهر لنا حبه و يقبل منا حبنا ، لا في موضوع مبهم لا يدركه العقل .
إذا لم نأت إلى المسيح كشخص حبيب ونطلب حبه كما يطلب حبنا ، لا نستطيع أن نعرفه ولا نستطيع أن نعبده .
الذين يبحثون عن المسيح في العقيدة الفكرية فقط يتوه عنهم شخص يسوع ، فيستبدلون عبادة الله الحي في شخص يسوع بعبادة موضوعية في حدود الفكر والتصور يمكن أن تنازعها عبادة أخرى غريبة وتطردها إذا استطاعت هذه أن تستولي على الفكر والتصور.
كل عبادة موضوعية تخلو حتماً من الحب، وكل ما ليس فيه حب ليس عبادة، ومآلها حتماً إلى النكران والضياع .
إذا لم تكن عبادتنا على أساس معرفتنا ليسوع المسيح ولبره الشخصي تنقلب إلى عبادة مزيفة وإلى محاولة تثبيت بر الذات كما فعل اليهود : « إني أشهد لهم أن لهم غيرة الله ولكن ليس حسب المعرفة ، لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله و يطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله . » ( رو ۱۰ : ۲ و ۳)
إذا لم يكن تمجيدنا وتسبيحنا الذي نقدمه في عبادتنا ناتجاً عن حبنا لشخص يسوع وناتجاً عن حب يسوع لنا ينقلب فيصير تمجيداً للنفس ، سواء كان في الظاهر أو الخفاء، أمام الناس أو أمام أنفسنا .
إذا لم يكن صومنا ونسكنا ودموعنا مرتكزة مباشرة في شخص يسوع ومعبرة عن انفعالات حبية نحوه ، فإنها ترتد إلى الذات كعبادة تعذيبية حيث تكون لذتها واكتفاؤها في الألم نفسه .
إذا لم تكن قراءتنا في الكلمة عن اشتياق لمعرفة يسوع وحبه، يتحول الإنجيل إلى مصدر لتغذية الذات على الكبرياء بدل التعزية والفرح والإمتلاء .
باطلة كل عبادة لا تقوم حسب معرفة يسوع المسيح وتوجه نحو شخصه .
عبادة اليهود رفضت، مع أنها كانت ذات غيرة ملتهبة، وذلك لأنها لم تكن حسب المعرفة .
معرفة يسوع والكنيسة
إن عمل الكنيسة الوحيد هو أن تقدم لك شخص يسوع المخلص لتعرفه ، تقدمه لك في الإنجيل، تقدمه في الأسرار وفي الطقوس وفي التراث والقوانين... غاية الكنيسة أن تعرفك شخص يسوع المحب ؛ رسالة الكنيسة تبتدىء عند هذا وتنتهي فيه . عملك في الكنيسة هو التعرف على يسوع شخصياً في كل وسائط النعمة .
عبادتك لا بد أن تنبثق عن محبة ، حبك لا بد أن يتفتح عن الإيمان، إيمانك لا بد أن يكون عن تعرُّف بشخص من تعبده . لا يمكن أن تعرف يسوع إلا بالكنيسة لأن الكنيسة تعرفه، هو استودع نفسه للكنيسة .
الكنيسة تقدم لك يسوع كما قدمه يوحنا المعمدان للشعب «حمل الله الذي يرفع خطية العالم . » (يوا : ٢٩)
تقدمه لك حملاً مذبوحاً ، مذبوحاً حباً ، حباً لك ، لك أنت شخصياً ليخلصك من خطاياك .
المسيح استودع نفسه للكنيسة كما استودع نفسه ليوحنا المعمدان ليشهد له ، يوحنا رأى الروح نازلاً ومستقراً عليه لما باشر صلاة التعميد .
والكنيسة تعرف المسيح وتشهد له وتقدمه سراً في المعمودية وعلى المذبح وفي الصلاة، الروح يرافق أسرار الكنيسة وصلواتها سراً ، ولكنه لا يستعلن ظاهراً لأحد حتى يُعرف المسيح بالإيمان لا العيان .
المسيح ظاهر في تواضعه ، تواضع لتجده.
ليس هو في كبرياء الإختفاء .
« لقد وجدنا يسوع » !!!
صوت الآباء
تعالوا إليه
للقديس أثناسيوس الرسولي
من يعطش فليأت . » (رؤ ۱۷:۲۲)
لماذا نتأخر، لماذا نتباطاً ، لماذا لا نقوم ونذهب إليه بحماس كلي ، مستعدين أن نبذل جهدنا لحضور الوليمة ؟ ألا نصدق أن يسوع هو الذي يدعونا ؟
يسوع هو كل شيء لنا ، لقد تحمل مسئولية خلاصنا بآلاف الطرق، جاع وعطش لنا ، مع أنه يعطينا طعاماً وشراباً في مواهبه الخلاصية . وفي هذا مجد له ، هذه في الواقع عجيبة ألوهيته ، كونه يجعل آلامنا ومكابداتنا عليه ، و يعتبرها مسرة له ...
فمع أنه «الحياة» ذاتها ، مات ! ليمكننا أن نحيا ...
ومع أنه « الكلمة » ؛ صار جسداً (يو١ : ١٤) حتى يجعل أجسادنا تتعقل « الكلمة » ...
ومع أنه الينبوع الذي يفيض حياة ، عطش كما نعطش نحن حتى يدعونا بإلحاح إلى الوليمة « إن عطش أحد فليقبل إلي ...» (يو٧ : ٣٧)
لا يقول أن نذهب إلى شخص آخر بل إليه « إلي ...»
أنت تسمع من الآخرين عني وعن مجيئي، ولكن لا يجب من الآن أن تشرب من الآخرين بل مني !!
حينما تأتى إلى الوليمة ، فلتسرع ! فهي ليست كولائم الناس بل هي الرب، الرب نفسه هو الوليمة ، ووليمة الرب لا ننظرها انغماساً ولذة في الجسد ولكنها إستعلان الحق !!
وليمة الرب ممارسة الحق ، مزاولة التعفف .... التوفر على الصلاة بحرص و يقظة ، دراسة الأسفار الإلهية، التوزيع على الفقراء ، تدعيم السلام مع أعدائنا ، ضم أشتات المتفرقين عنا في الخارج، إخضاع روح الكبرياء والعودة إلى اتضاع الفكر، السلام مع جميع الناس ، محرضين الإخوة على المحبة .
إعطشوا إليه
للقديس أثناسيوس الرسولي
ليكن فينا حرص شديد أن نجمع أنفسنا معاً ، لأننا تشتتنا ، وقد ضعنا وتبددنا في الأزمنة السالفة ؛ وهو ذا الآن قد وجدنا !... كنا مبتعدين خارجاً ، وقد صرنا الآن قريبين ، كنا متغربين والآن نحن له....
إن عطشنا إليه فهو يريحنا « إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب » (يو: ۳۷). العطش هو الحب الذي عاش به القديسون في كل زمان، ولم يكفوا عنه قط ، عطشهم كان ذبيحتهم الدائمة التي كانوا يقر بونها للرب بلا انقطاع ، ما كفوا عن عطشهم أبداً ، وما هدأوا عن إلحاحهم فيطلب الشرب .
إنه يوافقنا للغاية، في هذه الأيام، أن ننهض مع القديسين ونتصل بالرب بكل النفس ، في طهارة جسد، باعتراف ، بإيمان صادق ؛ حتى إذا شربنا وامتلأنا بالماء الإلهي النابع منه ، نؤهل لشركة الجلوس مع القديسين على مائدة السماء ، ونشترك معاً في صوت واحد للفرح هناك .
إتحدوا
لأبا يوسف الطوباوي من آباء إسقيط مصر
توجد أنواع كثيرة من الزمالة والألفة يرتبط بها الناس بنوع ما من المحبة . فعند البعض تنشأ الصداقة بعد شيء من التعارف يتخلله نوع من المديح والثناء . وعند البعض تقوم الصداقة على شيء من المساومة أو الإتفاق على تبادل المنفعة بالأخذ والعطاء ينتهي بشيء من المحبة .
وعند الآخر ين تنشأ الصداقة بحكم الزمالة ، أو الإشتراك في خدمة ، أو اتفاق العلم أو الفن أو الدراسة .
هذه كلها ظروف تهييء للنفوس التعارف والتآلف والملاطفة ، حتى وبين العتاة ذوي النفوس الشرسة، وفي الغابات والجبال نرى مثل هذا التآلف يتم بإتفاق ومسرة وإنما على السلب والعربدة وسفك الدماء ، وبإتفاق الزمالة تتم الجرائم !!
وتوجد أسباب أخرى للمحبة ، حيث تتم الوحدة و يتم التآلف بسبب الغرائز الطبيعية وناموس رباط الدم ؛ كما هو حاصل في الأسرة عند الزوجات والآباء والأخوة حيث يُفضّل الإبن على الغريب .
وحتى هذا النوع من التآلف والوحدة لا نجده فقط عند بني الإنسان بل وفي الطيور والوحوش نراه... حيث نجد أنه بتلقائية الغريزة الطبيعية يقوم الحيوان بالدفاع عن صغاره وحمايتها ، معرضاً نفسه للخطر من أجلها ، دون أن يجفل حتى من الموت !!
والعجب أن الوحوش والثعابين والطيور الجارحة التي انفصلت من تلقاء نفسها عن بقية الحيوانات بسبب شراستها وسُمِّها القاتل نجدها فيما بينها مسالمة مترفقة حانية بعضها على بعض بسبب وحدة أصلها وألفة شعور الجنس الواحد !!!
ولكن كل هذه الأنواع من المحبات يشترك فيها الصالح والشرير، وهي موجودة في الحيوان كما في الإنسان، وهي جميعاً قابلة للإنحلال ثم الزوال... فبمجرد أن ينفصل الواحد عن الآخر و يتباعد ، تنفصم الوحدة وتنفصم الألفة !! وبمرور الزمان تتلاشى المحبة وتتلاشى الصداقة ....
وحدة الحب الذي لا تنحل ربطه :
ولكن للحب نوع آخر قد يبقى إذا التأمت وحدته يوماً ، فلا يحل عراها الزمن وهو يبقى خالداً إلى الأبد...
وحدة هذا الحب لا تنشأ عن المديح والإطراء والتعارف السطحي...
وحدة هذا الحب لا تنشأ بسبب الإفراط في إظهار الحنان والود والملاطفة وتقديم الهدايا الكثيرة .
وحدة هذا الحب لا تنشأ بسبب مساومة رابحة ، ولا بسبب أمر بشري مهما كانت الحاجة إليه .
وحدة هذا الحب ينشئها شيء واحد :
الإنسجام والتوافق في الحق .
مثل هذا الحب لا يفكه أي سبب كان !
رباط هذا الحب لا يحله الزمن ، لا يقلقه بعد المكان، بل ولا الموت نفسه يستطيع أن يفصل فيه !!!
وحدة هذا الحب حقيقية غير قابلة للإنحلال ، تنمو على قدر ما ينمو المتحابون في الكمال والصلاح .
وحدة هذا الحب بمجرد أن تكمل ، فلا اختلاف الهوى، ولا تعارض الرغبات مهما بلغت في شدتها تقدر أن تفصم هذه الوحدة .
تحذير:
غير أننا نعرف كثيرين انعقد الحب بينهم بادىء الأمر على مثل هذا الغرض (الحق)، وكانت ألفتهم نابعة من اشتعالهم بمحبة المسيح ، إلا أنهم لم يصونوا هذه الألفة وهذه المحبة طويلاً فجرحوها .
ذلك إنما يكون بسبب عدم احتفاظهم بالغرض الذي دخلوا به في وحدة هذا الرباط بنفس الحماس الأول ، فلا تستمر وحدة محبتهم إلا قليلاً !!
وانقطاع الوحدة بينهم إن هو إلا دليل على عدم تغذية هذه المحبة وتقويمها بصلاحهم كل كالآخر !! واستمرار مثل هذه المحبة إلى مثل هذه الفترة القصيرة لم يكن إلا بسبب عامل الصبر من طرف واحد فقط !!
ولكن قيام وحدة محبة نتيجة الجهد يبذله طرف واحد مهما سكب فيه من جهد و بطولة بلا ملل ، فمآل هذه الوحدة إلى الإنهيار حتماً بسبب تفاهة وضعضعة الطرف الآخر !
لأن العلة إذا أصابت نفس من يسعى لبلوغ الكمال أقعدته حتى عن أن يساير الضعفاء ، مهما بذل الأقوياء من صبر في احتماله . لذلك قلنا إن الوحدة غير المنفصمة والألفة الدائمة إنما يقوم رباطها الوحيد على الإنسجام والتوافق في الحق :
«الرب يجعل ذوي الشكل الواحد في بيت . » (مز ٦٨ : ٦ )
والمحبة تدوم بغير قلقلة أو اضطراب عند من اتحدوا في الفكر واهتموا أن يريدوا معاً وأن يرفضوا معاً نفس الأمور.
لقد وجدنا يسوع
لا يكفي يا إخوة أن نعرف من هو الرب بكثرة المعارف التي من الكتب، بل يلزم أن نعرفه شخصيا، ولا يمكن أن نعرفه شخصيا إلا إذا تقابلنا معه نأخذه، ونختبره. نحياه، ندخله، نسلكه، نعقله.
كل من لم يجد يسوع بعد يظن أنه غير معروف عند يسوع ولكن حينما نقبل إليه ونعرفه حينئذ نعرف أنه كان يرانا، كان يتتبعنا كان يرصد حركاتنا، كان يتعقبنا في كل مكان.
لا يمكن أن تعرف يسوع إلا بالكنيسة لأن الكنيسة تعرفه هو استودع نفسه للكنيسة.
الروح يرافق أسرار الكنيسة بالإيمان لا بالعيان.
المسيح ظاهر في تواضعه تواضع لتجده، ليس هو في كبرياء الاختفاء