خبز الحياة

خبز وكأس للإفخارستيا المقدسة
الإفخارستيا المقدسة

خبز الحياة

الإفخارستيا المقدسة هي قلب الكنيسة. هي أسمى صور العبادة، واللقاء اليومي مع المسيح لنصير واحدًا معه.

هي ببساطة الصلاة على الخبز والخمر وطلب حلول الروح القدس ليحوِّلهما إلى جسد المسيح ودمه، في الصلاة التي ندعوها القداس الإلهي. وكلمة «إفخارستيا» تعني «الشكر». ويؤمن الأرثوذكسيون بأن هذا سرٌّ مقدس يتناول فيه المؤمن جسد المسيح ودمه في صورة الخبز والخمر.

تأسيس سر الإفخارستيا

يستند هذا اللاهوت إلى أحداث إشباع الرب يسوع للخمسة الآلاف، التي انتقل بعدها من الحديث عن الطعام الجسدي إلى الغذاء الروحي.

«أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ.»

يوحنا 6: 48-51

خميس العهد

في يوم خميس العهد أسَّس ربنا يسوع المسيح سر الإفخارستيا المقدسة، بعد أن أكمل الفصح اليهودي.

«أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي. وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.» (متى 26: 26-28)

وهكذا صار هذا العمل مركز الحياة المسيحية، واختبار حضور المسيح القائم في وسط شعبه (انظر متى 26؛ مرقس 14؛ لوقا 22؛ يوحنا 6 و13؛ أعمال الرسل 2: 41-47؛ كورنثوس الأولى 10-11).

القداس الإلهي

أصل الكلمة

كلمة «ليتورجيا» في اليونانية الكلاسيكية تعني «خدمة عامة تُؤدَّى نيابة عن الشعب». وهي مشتقة من «لاوس» أي «الشعب» (λαός) و«إرغون» أي «العمل» (ἔργον). وترتبط بـ«خدمة المذبح أو الخدمة الكهنوتية». وقد استخدمت الكنيسة هذا التعبير منذ العصر الرسولي ليشمل كل العبادة التي تنظمها رسميًا ويقدمها جميع أعضائها.

عناصر القداس

تستخدم الكنيسة في هذا القداس خبزًا من القمح وخمرًا نقية، يحملان رمزية لاهوتية عميقة تتعلق بطبيعة المسيح وذبيحته.

فاستخدام الخبز مرتبط بوصف الرب لنفسه بـ«حبة الحنطة» (يوحنا 12: 24)، واستخدام الخمر مرتبط بقوله: «أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ» (يوحنا 15: 1).

الجسد الحقيقي والدم الحقيقي

في الكنيسة الأرثوذكسية تُفهم الإفخارستيا على أنها جسد المسيح ودمه الحقيقيان، ولم تُفهم قط على أنها مجرد رمز. يقول القديس كيرلس الأورشليمي: «بهذه الأسرار الإلهية تصيرون جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح.»

«فلنتناول إذًا بكل يقين على أنه جسد المسيح ودمه… فهكذا نصير حاملين للمسيح فينا، إذ يتوزع جسده ودمه في أعضائنا؛ وهكذا نصير، بحسب قول بطرس المغبوط، شركاء الطبيعة الإلهية.»

بطرس الثانية 1: 4 / القديس كيرلس الأورشليمي

رموز الإفخارستيا المقدسة في العهد القديم

الرمز الأول

خروف الفصح

كما افتقد الله شعبه المؤمن في العبودية وقاده إلى الحرية من خلال وليمة الفصح، هكذا المسيح هو فصحنا الجديد. فبجسده ودمه نعبر من ظلمة الخطية إلى ملكوت النور، ليصير القداس رحلة نحو السماء. ويؤكد بولس الرسول ذلك: «لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا» (كورنثوس الأولى 5: 7).

الرمز الثاني

المَنّ

يمثل الغذاء الروحي. فرحلة الخروج نموذج لمسيرتنا المسيحية: بإرشاد الصليب (العصا) والروح القدس (السحابة)، نعبر المعمودية (البحر الأحمر) لنقتات بالإفخارستيا في برية هذه الحياة. وعلى خلاف المَنّ الذي لم يمنع الموت الجسدي، يهب يسوع حياة أبدية. (يوحنا 6: 49، 51)

الرمز الثالث

جمرة إشعياء

ترمز إلى التطهير. فالقديس مار أفرام يشبّه الجمرة المتقدة التي طهّرت النبي بجسد المسيح الذي يقدّس المؤمنين: «فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ… وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ» (إشعياء 6: 6-7).

الرمز الرابع

التقدمة غير الدموية في ملاخي

تتنبأ عن ذبيحة عالمية تقدمها الأمم، رمزًا للإفخارستيا التي يُحتفل بها على المذابح في كل العالم: «لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ» (ملاخي 1: 11).

دواء وشفاء

«لكي تكون لجميعنا شركةً وشفاءً وخلاصًا لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا.» — القداس الباسيلي

تردّد هذه الطلبة الفهم القديم للإفخارستيا بوصفها دواءً روحيًا. فكما كُتب في رسالة القديس إغناطيوس إلى أهل أفسس، نحن مدعوون أن «نأتي بفكرٍ غير منقسم، كاسرين خبزًا واحدًا بعينه، هو دواء عدم الموت، والترياق الذي يقينا من أن نموت.»

بالإفخارستيا يشفينا المسيح من جراحات الخطية بحبه الإلهي. فهو شافي منكسري القلوب، وفاتح أعين العميان، ومحرر المأسورين؛ وكل هذه العطايا العظيمة نجدها في الإفخارستيا المقدسة.

«مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي» (يوحنا 6: 57).

القيامة والحياة الأبدية

جوهر الحياة

القديس أثناسيوس الرسولي: «الحياة الأبدية هي سر الاتحاد الأزلي بين الآب والابن. وقد أُعلنت لنا في هذا السر المقدس، وهي تدعونا — حين نتناوله — إلى الدخول إلى صميم الحياة المشتركة بين الآب والابن.»

«الجسد الإلهي والدم الكريم الموضوعان على المذبح هما جسد ودم المسيح القائم؛ ولذلك يحملان قوة الحياة الأبدية.»

ولهذا نصلي في ختام القداس الإلهي الباسيلي: «يُعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياةً أبدية لكل من يتناول منه.»

«تعالوا أيها الفطناء، لنتلذذ اليوم بالتعليم الذي طعمه أحلى من العسل والشهد. تعالوا واشبعوا من المائدة المملوءة حياة.» — مار يعقوب السروجي

«لا أشتهي الطعام الفاني ولا لذّات هذه الحياة. أريد خبز الله، الذي هو جسد المسيح… وأشتهي شرابًا هو دمه، الذي هو المحبة التي لا تفنى.» — القديس إغناطيوس الأنطاكي

سر «الوليمة الأخروية»

الثبات في الله

«مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يوحنا 6: 56).

القديس أثناسيوس الرسولي: «هو ثبات متبادل يضمن الاتحاد ويحفظه من الضعف البشري والميل إلى الابتعاد. فنحن لا نثبت فيه بقدراتنا الواهنة وحدها… لذلك ضمن المسيح هذا الرباط بنفسه مؤكدًا: (وأنا فيه).»

شركة المحبة

الإفخارستيا اتحاد حقيقي بين الخالق والمخلوق. ويصف القديس كيرلس الأورشليمي هذا الامتزاج وصفًا جميلًا:

«كما أنك إذا أذبت شمعتين معًا حصلت على قطعة شمع واحدة، هكذا — كما أظن — من يتناول جسد يسوع ودمه يمتزج به، فتجد النفس ذاتها في المسيح والمسيح فيها.»

الاتحاد بالله الثالوث

«وَحِّدنا بك من جهة تناولنا من أسرارك الإلهية، لنمتلئ من روحك القدوس»

القداس الباسيلي