الروح القدس وجهادنا المتواصل ضد الخطية
«أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني» — فيلبي ٤: ١٣
ينبغي أن نلتفت جداً إلى أساس جهادنا الروحي ضد الجسد والخطيئة والعالم، لأن أي جهاد لا يقوم على الإيمان الصحيح لا يفيد شيئاً.
فأول كل شيء ينبغي أن نثق تماماً أن المسيح لا يعمل فينا بدون الروح القدس، والروح القدس لا يعمل فينا بدون المسيح، ونحن بدورنا يستحيل أن نعمل شيئاً بدون المسيح والروح القدس.
فالروح القدس يأخذ من المسيح ويعطينا، أي أن الروح القدس لا يعطينا شيئاً من ذاته مباشرة، ولكن قدرته الفائقة العجيبة جداً تنحصر في أنه يستطيع أن يأخذ كل ما للمسيح ويعطينا، لأن كل ما عمله المسيح وأكمله في حياته فهو لنا.
فالمسيح أكمل في نفسه ومن أجلنا كل واجبات ومتطلبات القداسة اللازمة والمفروضة لحياة كل إنسان أمام الله: «لأجلهم أُقدّس أنا ذاتي» (يو ١٧: ١٩). لذلك فخارجاً عن حياة المسيح أو بدون فداء لأي إنسان، لا أمل ولا رجاء ولا نصيب في أية قداسة أو بر أو خلاص لأي إنسان: «ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداءً.» (١كو ١: ٣٠)
ولكن في نفس الوقت نجد أن كل ما عمله وأكمله المسيح في حياته ضد الخطيئة والموت من أجلنا، كونه «دان الخطيئة في الجسد» (رو ٨: ٣)، كان يستحيل أن ينتقل إلينا أو يصير له فاعلية أو فعالية في حياتنا إلا بالروح القدس، كما هو مكتوب: «لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية.» (رو ٨: ٢)
أي أن الروح القدس - ذا القوة والقدرة الفائقة على الطبيعة البشرية وعلى العقل وعلى المنطق وعلى الجسد - هو الذي يتولى عملية فك ناموس الخطيئة وتحطيم سلطان الموت من الطبيعة البشرية لدى كل إنسان، بعملية سرية أو سرائرية فائقة، تتلخص في إحلال حياة المسيح الحي بدل حياتنا الآدمية العتيقة. يأخذ كل ما لنا ويعطينا كل ما يستطيع المسيح، حتى يستطيع الإنسان في النهاية أن يقول عن إحساس يقيني: «أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ» (غل ٢: ٢٠). وذلك كله على أساس شرط واحد، هو أن نؤمن ونعتمد على أن المسيح مات على الصليب كخاطئ لأجلنا، وقام من الأموات كمخلّص لنا. أي: «أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا.» (رو ٤: ٢٥)
غير أن الروح القدس أيضاً هو الذي يقوم بإقناعنا بهذا الإيمان، أي الإيمان بموت المسيح الكفاري عن الخطاة وقيامته عنا، ويرفع هذا إيماننا إلى مستوى اليقين الفائق على المنطق والعقل. وهكذا نجد أن حتى الإيمان نفسه، وهو أساس عمل الروح القدس فينا، في الحقيقة ليس منا أصلاً، بل هو عطية الله الفائقة، غير أنه يصبح في النهاية، إذا تمسكنا به، ملكاً لنا وفعلاً إلهياً ثابتاً فينا، وأساساً لعمل الروح القدس الفائق الوصف.
الروح القدس يحوّل فينا الإيمان إلى عمل:
أما الإيمان هنا فهو الإيمان بموت المسيح الكفاري عن الخطاة وقيامته لتبريرهم أمام الله الآب.
وأما العمل هنا الذي نقصده فهو الجهاد ضد الخطيئة للسلوك بحسب القداسة.
الإيمان والعمل لا يمكن فك ارتباطهما ببعض، ولكن الإيمان بما عمله المسيح من أجلنا لا يتحول تلقائياً إلى عمل أو إلى الجهاد الذاتي، أي إلى جهاد ضد الخطيئة لبلوغ القداسة، بل لابد من توسط الروح القدس!!
الروح القدس يستخدم إيماننا الفائق الواثق بشخص المسيح الحي، فمن خلال الإيمان ينفذ الروح القدس إلى أعماق كيان الإنسان الفكري والإرادي، فيجعل الفكر والإرادة في حالة خضوع وقبول شديد لفكر المسيح وإرادته، فيبدأ الإنسان الدخول في حالة تغيير شديد، ويصبح في الحال قادراً على العمل والجهاد ضد الخطيئة بسهولة وبقوة فائقة على كل إمكانياته الفكرية والإرادية السابقة، مما يكشف فعلاً عن حدوث حالة حلول للإيمان بالمسيح داخل القلب وعن سيطرة الروح القدس على الفكر والإرادة. وما يصبح على الإنسان بعد ذلك إلا الخضوع المتواصل والطاعة المدعية الفرحة لعمل الروح القدس، حتى يكمل الإنسان بإرادته الجديدة وبفكره الجديد عمل الخلاص النشط بالجهاد الحار ضد الخطية وكل شبه خطية.
«تمموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة.»
— في ٢: ١٢،١٣
واضح هنا من قول الرسول أن الله هو الذي يبدأ عمله أولاً بشخص الروح القدس داخل إرادتنا، وبإقناعنا للعمل ضد الخطية بسرور الإرادة، ولذلك يطالبنا للتكميل، أي أن يطالبنا بتكميل عمله الذي بدأه فينا، بخوف ورعدة، لئلا نفقد خلاصنا ويصير عمله فينا شاهداً ضدنا. وليلاحظ القارئ وضع حرف "لأن" بين "تمموا خلاصكم" وبين "الله هو العامل فيكم"، فعملنا متوقف بالضرورة على عمل الله المسبق فينا!!
وهذه المبادرة العجيبة والسرية التي يقوم بها الله داخلنا على مستوى الإرادة والعمل هي بسبب أن الله يعلم تماماً بضعف الإرادة البشرية والهزيمة تجاه سطوة ناموس الخطية ولعنة الموت: «لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه، في ما كان ضعيفاً بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد، لكي يتم حكم الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح.» (رو ٨: ٣،٤)
أي أن المسيح جاء ليمنحنا في نفسه برّ نفسه، متجاوزاً ضعف جسدنا، معطياً لنا ما كان له بالجسد من بر ونصرة ضد الخطية، عطاءً سرياً أو سرائرياً بحلوله فينا بواسطة عمل روحه القدوس داخلنا، وذلك برفع الإرادة إلى مستوى إرادة المسيح، ورفع الفكر إلى مستوى فكر المسيح، حتى يتم العمل والجهاد ضد الخطية بسرور الإرادة: «لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة.»
إذن، فعطاء الله بالمسيح ليس فقط عطاءً إيمانياً فكرياً أو إيمانياً نظرياً، بل هو إيمان عملي ضد الخطيئة.
من أجل هذا يصرخ يعقوب الرسول محذراً: «الإيمان بدون أعمال ميت» (يع ٢: ٢٠)، لأن مباشرة العمل الخلاصي والجهاد ضد الخطية هي العلامة الوحيدة أن الروح القدس قائم وفعّال داخل الكيان الفكري والإرادي، أي أن المسيح حي قائم في القلب، أي أن الإيمان حي فعلاً!!
ومن مضمون الوسائل الفعّالة جداً التي يستخدمها الروح القدس لإقناعنا بمواصلة الجهاد والعمل والسهر ضد الخطية، إدخاله إيانا في إحساس واقع بالعفو والبراءة بفعل دم المسيح، الغاسل للخطايا بصورة مدهشة للعقل، كلما جاهدنا صحيحاً حسب إرادة الله ومسرته!
هنا مواصلة الجهاد والنمو فيه ليس من إرادة بشرية ولا من طموح ذاتي، بل هو في الحقيقة صدق طاعة لصوت الروح القدس وحثّه المقنع والمفرح للقلب لمواصلة الجهاد، ونتيجة مباشرة لتذوق عذوبة العمل المضني والجهاد المتواصل ضد الخطية تحت قيادة الروح القدس، بحيث تحت كل خطوة في جهادنا الروحي ضد الخطية، بقيادة الروح القدس وتحت طاعته، تجعلنا أكثر تمسكاً بحقيقة فعل الدم وحقيقة معنى التبرير وحقيقة الحياة الأبدية: «جاهد جهاد الإيمان الحسن وأمسك بالحياة الأبدية التي إليها دُعيت.» (١تي ٦: ١٢)
هذا الجهاد الروحي بكل مفاعيله الداخلية التي يخلقها الروح القدس في إرادتنا خلقاً متواصلاً بلذة فائقة، وبضبط فائق لكل شهوة وكل انحراف، باستعذاب كل صوم وكل حرمان وكل تعفف وكل مقاطعة لما هو شبه شر، وكل وقوف وسهر في الصلاة مهما طال، هذا كله هو ما يقصده بولس الرسول بقوله: «لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم على المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح.» (رو ٨: ١)
فالسلوك حسب الروح هو هذا الجهاد العذب المتواصل ضد الخطية تحت قيادة الروح القدس.
في الخلاصة
الروح القدس يأخذ كل ما للمسيح ويعطينا إياه، فلا قداسة ولا خلاص لنا إلا من داخل حياة المسيح.
حتى إيماننا بموت المسيح وقيامته هو عطية من الروح القدس يرفعها إلى مستوى اليقين الفائق على العقل.
الروح القدس هو الذي يحوّل إيماننا إلى جهاد فعلي ضد الخطية، فلا ينفصل الإيمان عن العمل.
جهادنا ضد الخطية لا يخلّصنا بذاته، بل هو الدليل والبرهان على أن الروح القدس والإيمان الحي يعملان فينا حقاً.
السلوك بحسب الروح هو عينه هذا الجهاد العذب المتواصل ضد الخطية تحت قيادته.