الروح القدس والأعمال الصالحة

الفصل الثالث من ٦

الروح القدس والأعمال الصالحة

نحن مقدَّسون بالمسيح، أو في المسيح. وخارجاً عن المسيح أو بدون المسيح لا يُدعَى إنسانٌ ما أنه قديس: «لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح.» (غل ٣: ٢٧)

هي إذن «قداسة المسيح» التي تُنسب إلى أولاده، يلبسونها فوق عُريهم أو فوق خزيهم فإذا هم قديسون وأبرار. وليس أحد قديساً من ذاته أو من أعماله، لأنه بدون المسيح لا يوجد عمل صالح أمام الله: «وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبياً وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة، قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه. إن ثبتم على الإيمان.» (كو ١: ٢١-٢٣)

ولكن لا يمكن أن تُضاف إلينا قداسة المسيح بدون الروح القدس. الروح القدس أول كل شيء وبداية كل شيء، فهو يضطلع في المعمودية بعملية غسيل سرية أو سرائرية عميقة أشد العمق فائقة أشد التفوق. فهو غسيل يتعمق الطبيعة في كيانها العتيق، يرفع عنها لعنة الموت ورائحته، ويهبها قوة حياة لا تزول، لأن الروح القدس يغسل الإنسان بدم موت المسيح ويدهنه بدهن قيامته السرية، فيخرج من جرن المعمودية خليقة أخرى مقدسة في المسيح لله. «لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا» (١كو ٦: ١١). (الغسيل للجسد، والتبرير للنفس، والتقديس للروح.)

إذن فقداسة القديس ليست في أصلها إلا موت المسيح وقيامته ينقلها الروح القدس من طبيعة المسيح ويغرسها في طبيعتنا أولاً بأول، في سر لا يُنطق به، عبر الإيمان وعبر التوبة وعبر المعمودية وعبر كل تناول وعبر كل قراءة الإنجيل، حتى نتغير عن شكلنا كلية ويصبح «المسيح حياتنا» (في ١: ٢١) و«يحل المسيح بالإيمان في قلوبنا.» (أف ٣: ١٧)

إذن فالقداسة هي هبة المسيح العظمى، هي سُكنى المسيح في القلب بالإيمان، هي موته الذي يلغي نجاساتنا، وهي حياته التي تجدد خلقتنا.

القداسة في المسيح هبة كاملة، وفي النهاية وبعد تكميل كل سر تشمل كيان الإنسان كله جسداً ونفساً وروحاً، لأنه فعل داخلي وعمل إلهي كامل وفائق، ينتهي بها إلى مستوى خليقة كاملة مؤهَّلة للظهور أمام الله بلا لوم!

«وإله السلام نفسه يقدسكم بالتمام، ولتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح. أمين هو الذي يدعوكم الذي سيفعل أيضاً.»

— ١تسالونيكي ٥: ٢٣-٢٤

هذا هو التقديس السري الفائق الذي يضطلع به الروح القدس «نفسه» فيعمله في صميم طبيعة الإنسان، لكن في غير إحساس مادي أو وعي شعوري للإنسان، وذلك بالإيمان وبالإنجيل ومن داخل أسرار الكنيسة!

ولكن، وبعد هذا التقديس السرائري، يتبقى عمل تقديسي آخر أو تقديس تكميلي يضطلع به الروح القدس بواسطة الإنسان نفسه من خلال الأعمال الصالحة! «فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكمِّلين القداسة في خوف الله.» (٢كو ٧: ١)

أي أنه بعد تقديس الله لنا - بواسطة تبنّيه لنا في ابنه وبالروح القدس - تقديساً مجانياً كاملاً بالنعمة «إذ لنا هذه المواعيد»، يعود الله ويطالبنا صراحة بأن نجاهد الجهاد الحسن على مستوى الجسد والروح ضد أية خطيئة تمس طهارة الجسد أو الروح: «لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح»، ثم نرتفع بهذا الجهاد إلى مستوى أعمال القداسة، كالصلاة بلا تظاهر، والصوم بلا افتخار، وحفظ كلمة الإنجيل بوعي روحي وخوف، والمواظبة على المحبة الأخوية الصادقة بالشركة في الجسد والدم عن استحقاق طهارة القلب، وخدمة البذل والشهادة في حينها. وبالاختصار «مكمِّلين القداسة في خوف الله»، حيث لا تكون الأعمال الصالحة بدءاً أو أساساً للقداسة، ولكنها كما يقول الرسول «تكميلاً» حتمياً لها، بحيث إذا توقفت الأعمال الصالحة أو أُهملت، لا تكمل فينا القداسة التي وُهبت لنا في المسيح بالروح القدس، بل تصبح بلا نفع.

بل وأكثر من ذلك، فإن الله يرى أن تكميل القداسة المفروضة علينا بالعمل الصالح - والتي بدأها هو فينا مجاناً - لا يكون تكميلاً سهلاً أو كأنه تكميل لا يحتاج إلى حذر وانتباه، بل هو خطير للغاية، يحتاج إلى «خوف ورعدة كثيرة»، لئلا يتحول إلى افتخار وتعالٍ أو يتحول إلى عمل روتيني ميت، فلا يؤدي إلى تقديس حقيقي للجسد والنفس والروح، أي إلى الاتحاد بالمسيح، بل إلى رياء فسقوط!

لذلك، فمؤازرة الروح القدس في العمل «لتكميل القداسة في خوف الله» أمر فائق الخطورة والأهمية لخلاصنا. لأن الروح القدس محب جداً للعمل الصالح، وهو الذي يقترحه ويحث عليه، ويعطي المثابرة والنشاط، ويعين ضعفاتنا ويعلّمنا ما ينبغي أن نصلي من أجله، ويشفع في جهلنا وعدم معرفتنا بأنّات لا يُنطق بها، لأنه هو وحده الذي يعرف ما هي حاجة القديسين، وماذا ينبغي أن يكون اهتمامهم، وما هو لازم للروح لتكميل القداسة!

على أنه ينبغي أن ندرك أن الأعمال الصالحة أو أعمال «تكميل القداسة» ليست من صنع بشر، ولا هي خبرات جماعة نساك أقوياء اقترحوها من أنفسهم، بل هي من صنع الروح القدس وإلحاحات النعمة النابعة من جهاد المسيح، فهي وصية إنجيلية وهي عمل الله الخفي في قلوب الأتقياء: «لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها.» (أف ٢: ١٠)

أي أن الأعمال الصالحة هي هي أعمال الروح القدس، أي أعمال قداسة أو تقديس، وهي نابعة أصلاً من المسيح الذي جعل حياته كلها «عملاً صالحاً» لحسابنا، لذلك يقول الرب: «بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» (يو ١٥: ٥). وقد سبق فأعدَّ لنا كل الأعمال الصالحة اللازمة لتكميل قداستنا واتحادنا فيه، لا كأنها أعمال توهب بلا جهد بل يقول: «لكي نسلك فيها»، أي بمعاناة وآلام وحروب ومقاومات كثيرة وعنيدة، لكن المسيح سبق ووهبنا أيضاً «المعزِّي» الروح القدس المعطي القوة: «تنالون قوة متى حلَّ الروح القدس عليكم» (أع ١: ٨)، ذاك الذي يستطيع أن يجعل مع جهادنا وسهرنا ومعاناتنا عزاء ما بعده عزاء، لأن طبيعة الروح القدس تحول طبيعة الألم إلى لذة وفرح وانتصار القداسة: «من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح. ولكن في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا.» (رو ٨: ٣٦، ٣٧)

إذن، فأن يصبح الإنسان قديساً أمام الله وبلا لوم فهذا من عمل المسيح مباشرة في الطبيعة البشرية، وهذا يعتمد أساساً وكلية على الإيمان بالمسيح والاعتماد لموته وقيامته وقبول الروح القدس: «مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة.» (أف ١: ٣-٤)

ولكن لكي يقبل كل واحد منا قداسة المسيح شخصياً ويحتفظ بهذه القداسة يوماً بعد يوم ويكملها على مستوى الحياة والشهادة، فإن مؤازرة الروح القدس للأعمال الصالحة تصبح ضرورة حتمية: «روح الحق يرشدكم إلى جميع الحق» (يو ١٦: ١٣)، «تمموا خلاصكم بخوف ورعدة» (في ٢: ١٢)، «خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنّا» (رو ١٣: ١١)، «مكمِّلين القداسة في خوف الله» (٢كو ٧: ١)، «في سيرة تليق بالقداسة... مقدماً نفسك في كل شيء قدوة للأعمال الحسنة.» (تي ٢: ٣، ٧)

وأعمال القداسة قد تبدو لكثيرين وكأنها زيادة أو مغالاة في العبادة أو التقوى، إذ يكفي في نظرهم أن لا نعمل الشر وكفى، ولكن أمر الله في هذا يقطع بالإلزام: «بل نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين في كل سيرة، لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس» (١بط ١: ١٥ و١٦)، لأن القداسة «بدونها لن يعاين أحد الرب.» (عب ١٢: ١٤)

ومعلوم أن الوصية في العهد القديم التي كانت مكتوبة بحرف الكلمة على الحجر (رمز للقلب الحجري)، صارت مكتوبة في العهد الجديد بالروح القدس على القلب اللحمي. الروح القدس هو الذي يوصي بالقداسة ويرسم كل أعمالها في الضمير.

لذلك فبقدر ما كانت أعضاء الإنسان مغلوبة ومستعبَدة لشهوات النجاسة بسبب ضعف الجسد، تصبح بنعمة الروح القدس وقوته الفائقة وبإلحاحاته في القلب قادرة ومستعدة أن تكون مستعبَدة، بكل فرح وسرور، لأعمال القداسة: «أتكلم إنسانياً من أجل ضعف جسدكم. لأنه كما قدَّمتم أعضاءكم عبيداً للنجاسة والإثم للإثم، هكذا الآن قدموا أعضاءكم عبيداً للبر للقداسة» (رو ٦: ١٩). هنا القداسة عمل وممارسة وجهاد.

كذلك هنا الإشارة إلى الشيطان واضحة جداً في التعبير عن استعباد أعضاء الإنسان للنجاسة إلى درجة الاشتعال، كذلك الإشارة إلى الروح القدس واضحة أيضاً في الانتقال من عبودية الأعضاء للنجاسة إلى عبودية الأعضاء للبر والقداسة، حيث يرفع الروح القدس مستوى الإرادة لقبول الأعمال الصالحة والفرح بعملها ومحبتها الشديدة إلى درجة العبودية! وكأن القلب كله قد أصبح كنزاً لكل فكر صالح ولكل فعل ومبادرة صالحة، كنزاً لا ينتهي بواسطة عمل الروح القدس المتجدد فيه: «الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح!» (لو ٦: ٤٥)

ويلاحظ هنا أن وصف القلب باعتباره الكنز الصالح كناية سرية عن أنه صار مسكناً للروح القدس، علماً بأن الروح القدس يوصف بحسب التقليد الكنسي أنه «كنز الصالحات» (١). ولكن، وحتى بعد أن يصير القلب متقدساً بالروح القدس وكنزاً للصالحات، فإنه يتبقى عليه بالضرورة عملية إخراج العمل الصالح من القلب إلى حيز التنفيذ، وإلا يفقد القلب صفته الإلهية أنه «كنز الصالحات»، لأن الكنز إذا لم يُستخدم يصير هو الوزنة المطمورة في التراب. (وما هو التراب إلا الجسد الترابي الذي أغلق على موهبة الروح - أي الإيمان - فلم تثمر عملاً صالحاً).

ولكن يلذ لنا أن نعيد ونعيد أمام ذهن القارئ أن القلب بدون كنزه الصالح، أي بدون قوة الروح القدس ونوره، يستحيل أن يفعل من ذاته صلاحاً بأي حال من الأحوال: «الجميع زاغوا وفسدوا معاً - ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد» (رو ٣: ١٢)، «الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا.» (في ٢: ١٣)

ولكن بمجرد قبول الإنسان للروح القدس والانقياد تحت مشورته وسلطانه ونوره، يصبح الإنسان قادراً على أن يفعل الصلاح، ويُحسب له هذا الفعل الصالح براً وكأنه من عمل الإنسان الخاص ومن صميم إرادته وإيمانه!! هنا اتضاع المسيح وإخلاء الروح القدس، حيث يتنازل كل منهما عن دوره الأساسي في خروج العمل الصالح من قلب الإنسان إلى حيز الفعل والتكميل ليُحسب كلية لحساب الإنسان، وكأنه من جهده الخاص وإرادته وإيمانه وحده!! ولسان حال الإنسان في ذلك أمام الله: «لأن منك الجميع ومن يدك أعطيناك» (١أي ٢٩: ١٤)، أو بلغة القداس: «نقرِّب لك قرابينك من الذي لك» (٢).

(١) قطعة صلاة الساعة الثالثة - الأجبية المقدسة.

(٢) قداس القديس باسيليوس - قبل سر حلول الروح القدس.

خلاصة الفصل الثالث

في الخلاصة

القداسة تبدأ في المسيح وحده — بدونه لا يوجد عمل صالح يُحسب أمام الله مهما بدا حسناً.

أول عمل للروح القدس هو تقديس سرائري خفي في المعمودية، لا نشعر به ولا نراه وهو يحدث.

الأعمال الصالحة لا تبدأ القداسة ولا تؤسسها، بل تُكمّلها؛ فإن أُهملت بقيت القداسة الموهوبة لنا بلا ثمر.

الروح القدس نفسه هو الذي يقترح العمل الصالح ويعين ضعفنا ويشفع فينا، حتى لا نظن أن الصلاح من عندنا.

القلب المتقدس كنز لا ينضب، لكن الكنز الذي لا يُستخدم يصير وزنة مطمورة في التراب.