حرية البنين
تدعو القيامة المؤمنين إلى الحرية البنوية: حياة توبة وطاعة وشركة سرّية وثقة أمام الآب.
متى ننال الحرية، حرية البنين؟ وكيف نشعر بها ونغرسها؟
أو بعبارة أخرى، هل لحربنا الروحية مع ذاتنا العتيقة نقطة نهاية نبلغها، فنكون قد وصلنا إلى حرية البنين؟ أو هل هناك وقت نتغلب فيه أخيراً على الخطية؟
يوضح القديس يوحنا الرسول هذا بكل صراحة:
«إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا، وليس الحق فينا.» — ١يوحنا ١: ٨
وكأن الرسول يريد أن يعلّمنا حقيقة مهمة تتعلق بالتجدد في الذات الجديدة، وهي أن صراعنا مع جسد الخطية أو الذات العتيقة أمر حتمي لا نهاية له، وأنه في أي لحظة نعتبر فيها أنفسنا قد تغلّبنا على الخطية - حاشا - فهذا يعني أننا لسنا على صواب وأننا نخدع أنفسنا بهذا الشعور المضلِّل.
ثم يعود الرسول ليعطينا ضمان العهد الجديد ضد الخطية، الذي يُبطل وجودها:
«يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً.» — ١يوحنا ٢: ١-٢
غير أن القديس يوحنا الرسول يعود ليستثني نوعاً من الخطية سمّاه خطية للموت. وليس من شأن أبناء الله أن يقعوا فيها. فإذا كانت الخطية من النوع الذي لا يؤدي إلى الموت، فكيف ننال حرية البنين وكيف نشعر بها؟
هنا أود أن أعرض عدة حقائق تقود إلى الجواب الكامل عن هذا السؤال.
أولاً
يجب أن ندرك أن الله دعانا لنكون أحراراً، وأننا أبناؤه - وقد صار هذا حقاً لنا وجزءاً أساسياً من طبيعتنا الجديدة. وهذه البنوة حق وحقيقة مختومان بالإيمان بابن الله، وبالجحد لإبليس وكل أعماله، وبختم المعمودية وسكب الروح القدس بالميرون والتناول المقدس من جسد ودم ابن الله. فنحن إذاً أبناء الله وأولاد بالروح القدس. وإن أخطأنا بعد ذلك، فهذا يعني أن حريتنا البنوية أو حريتنا الروحية قد أُعيقت جزئياً، لكنها لم تُبطَل كلياً.
ثانياً
إننا في كل مرة نعمل فيها بطاعة للآب بالصلاة أو التوبة أو المحبة، أو إنكار الذات في خدمة الآخرين، أو الصراع ضد شهوة الذات وكبريائها، أو بالصوم والاتضاع، أو بالتناول مع الاعتراف والانسحاق والشكر - في كل هذا نمارس طاعة حقيقية، لأننا نعمل عمل الله ونتمم وصاياه. فإذاً، في كل هذه الأعمال، نمارس عمل البنين بروح كوننا حقاً أولاد الله، ونذوق حالة من الحرية الحقيقية، الحرية الروحية، ولو جزئياً.
ثالثاً
إن ممارسة الحرية الحقيقية وأداء أعمال الله بروح البنين وطاعتهم تضعنا حقاً داخل دائرة ملكوت الله، والذي دعانا إلى هذا الدخول هو الآب نفسه، الذي سكب روح الابن في قلوبنا محبةً وإكراماً للمسيح ابنه، ليسهّل انتقالنا من ظلمة العبودية إلى نور أبناء الله،
«شاكرين الآب الذي أهّلنا لشركة ميراث القديسين في النور، الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته.» — كولوسي ١: ١٢-١٣
رابعاً
إن دخولنا إلى دائرة ملكوت الله ونوره سيكشف حتماً أكثر فأكثر بشاعة الخطية والظلمة المحيطة التي واجهتنا من قبل وتواجهنا كل يوم، وهذا يزيد شعورنا بالقصور والحرمان الأكيد من حرية البنين. وهنا مواجهة صارخة بين موقف الإنسان الجديد، الذي يقف في طاعة المحبة وأداء عمل لا ينقطع، بينما موقف الإنسان العتيق هو الهروب من نوره وكشف كل عمل من أعمال إبليس، أياً كان، والذي صار رجساً للإنسان الجديد. وهنا نحن في حالة اختباء عن وجه الله، لا طرد من فردوس رحمة الله.
«سيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام.» — يوحنا ١٢: ٣٥
خامساً
وهنا، المسيح، رأس خليقتنا الجديدة، يبرّرنا لدعم موقف الإنسان الجديد لدى الآب في مواجهة حركة عصيان الإنسان العتيق، المائل دائماً إلى الخطية والاختباء. فهو يكرّس هذا الموقف الجديد الذي يحرر الإنسان في وقوفه أمام الله الآب، مخرجاً إياه باستمرار ودوام من الظلمة إلى النور، ومكمّلاً نقص ممارسته بقوته الأزلية في حالة سلام وتبرير. فالمسيح لنا، بإنكاره لذاته، حالة إتمام للطاعة الكاملة للآب، وضامن لحالة فداء ومصالحة أبدية، إن تمسّكنا به بالإيمان والرجاء وثقة المحبة، وإن حيينا بوصاياه كأبناء.
وهكذا نصل إلى هذه الحقيقة: أننا خطاة دائماً، ومحتاجون دائماً إلى توبة صادقة واعتراف بالخطايا، لكي ننال غفرانها بالدم المسفوك عنّا. ففي كل مرة نخطئ، نفقد رؤيتنا للآب، لأن الخطية ظلمة؛ ونفقد شعورنا بالحرية كأبناء، لأن الخطية عبودية؛ ونفقد شجاعتنا في الظهور أمام وجهه، لأن الخطية عداوة. وفي كل مرة نعترف بخطايانا، التي يكفّر عنها المسيح بدمه، تنفتح أعيننا مرة أخرى ونرى أننا ندخل في دائرة الملكوت.
وإن مارسنا أعمال البنوة - كالمحبة غير الأنانية، والخدمة غير الأنانية، وإنكار الذات، وتمجيد الآب - وأُهِّلنا للمشاركة في الجسد والدم، نعود إلى حالة الحرية، حرية البنين، ونختبرها حقاً، لكنها تبقى حالة حرية غير كاملة للنمو الكامل بسبب الشعور المستمر بالخطية، وكأنها طعام حلو ممزوج بمرارة. وإن واصلنا سعي أعمال البنوة، وحفظنا وصايا يسوع التي جوهرها المحبة، فسيأتي المسيح ليكمل كل قصور وكل نقص في عملنا كأبنائه، وبالتالي سيكمل كل نقص في شعورنا بالحرية كأبناء، وأمام الآب في الحساب، بلا لوم أخيراً في المحبة.
لذلك، يا عالم الإيمان والمحبة، بحسب الوصية، نذوق حرية أبنائه، ويكمّل المسيح حريتنا كمالاً مطلقاً، فنسلك فيه، في النور، ونثبت فيه، ونقف أمام وجه الله الآب بلا لوم في المسيح.