القمص متى المسكين • القيامة والخليقة الجديدة

حقائق مهمة عن خليقتنا الجديدة

يؤمّن موت المسيح وقيامته المصالحة، ويغسلان الدينونة، ويدعوان المؤمنين إلى حياة إيمان واستسلام وجهاد روحي.

إن كل صعوبة تقف أمامنا وتمنعنا من الاتحاد بالمسيح وقبول وجودنا فيه ونيل خليقتنا الجديدة منه لحياة جديدة، هي صعوبة وهمية أساسها تشبث الذات بوجودها العتيق المتعلق بالخطية. وهذا يعني أن الذات تتهرب من الموت الاختياري حتى لا تقبل المسيح كوجود بديل لها. فهي إذاً تتشبث بالخطية، معتبرة إياها فرصة وسبباً كافياً لإبعاد الإنسان عن المسيح، وسبباً كافياً - بحسب المنطق العتيق - لحرمان الإنسان من الحياة الأخرى. وهكذا تتجنب الموت الاختياري لتبقى هي بدلاً من المسيح.

وهنا يلزمنا أن نلتفت إلى هذه الحقائق:

أ.

إن موت المسيح رفع عنا حكم الموت. لذلك فإن مجرد حضور المسيح فينا بالمعمودية والتناول هو عملية تبرير وفداء ومصالحة، تفقد بها الخطية سلطانها. وناموس الخطية المميت، العامل والظاهر في الأعضاء، صار توبيخاً ولوماً ذاتياً مستمراً، يعمل على تسهيل الانتقال من حياة بحسب الجسد إلى حياة بحسب الروح. ويُرفع أثره بالتوبة والندامة، مع القضاء المناسب بحسب إرشاد الكنيسة، لكن الخطية لا ترتفع أبداً إلى عقوبة الموت.

ب.

أما جسد الخطية، الذي تركّزت فيه اللعنة والموت، والذي يمثله الآن الذات البشرية المائلة إليه، فقد صُلب حقاً مع المسيح ومات، وتم فيه على الصليب حكم الموت واللعنة.

«عالمين هذا: أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبَد أيضاً للخطية.» — رومية ٦: ٦

أي أن اللعنة لم تعد تسكن فيه.

ج.

أما الإنسان الجديد بالروح، فلم يعد صحيحاً القول إنه بمجرد نيل الإنسان الخليقة الجديدة مع المسيح فينا، يصير الإنسان العتيق مجرد جسد ميت بالنسبة إلى الكيان الروحي الجديد، لأن ناموس لعنة الموت قد كفّ عن التأثير الفعّال فيه. بل إن الجسد أيضاً صار ميتاً - أي أنه أكمل فعلياً عقوبة الموت وصار بلا قيمة من جهة تهديد الشيطان. فالخطية، وإن كانت لا تزال تعمل فيه، لا تملك القدرة على إدانته إلى الموت الأبدي. فمن مات مع المسيح تبرأ من الخطية، وهو يحيا بدلاً منها. والإنسان الجديد هو في المسيح وبالمسيح. والقبر هو نهاية هذا الجسد؛ إنه معموديته، الفعل الأخير الذي يكتمل، الذي به يُعمل في كل ما فيه، مما يُفقده آخر ما تبقى فيه من عيوب وخطايا دائمة من الصليب. فيأخذ الجسد كله بالكامل، ليكون على صورة جسد المسيح.

فنحن الآن لا ننتظر بعد أي حكم موت بعد أن وهبنا حياة ثانية بقيامة المسيح من الأموات، ونلنا خليقتنا الجديدة بالمسيح وفي المسيح بالإيمان في المعمودية والإفخارستيا. لقد تم حكم الموت فينا كعقوبة كاملة عن كل الخطايا - بأثر رجعي وفي المستقبل - لأن المسيح مات عن الجميع، ثم مات الجميع فيه، قيامة جديدة لا تموت بعد. ومن المستحيل، بعد أن نفّذنا حكم الموت مع المسيح على الصليب، أن يتكرر علينا مرة ثانية في أي ظرف أو أي نوع من العقوبة، لأن الموت الذي مات المسيح مات عن الخطية مرة واحدة:

«عالمين أن المسيح، بعدما أُقيم من الأموات، لا يموت أيضاً. لا يسود عليه الموت بعد.» — رومية ٦: ٩

د.

لكن هذا لا يعني أنه بما أن الإنسانية وُلدت ثانية بقيامة المسيح من الأموات، فإن كل إنسان قد أكمل خلاصه تلقائياً دون أن يتحد بالمسيح الذي مات وقام. بل معناه أنه أخذ كل المسوّغات والوسائل والحقائق وأعدّها لكل إنسان بالميلاد الجديد. فلو لم يصر هذا الخلاص، الذي دُفع ثمنه غالياً، نصيباً لنا، لما استفدنا منه بل قصّرنا عنه. فالمسيح حمل خطايا كل إنسان في العالم كله في جسده على الصليب، ودفع ثمن الفداء عن كل إنسان بدمه. لكن لن يستفيد من هذا أحد لا يأخذ المسيح لنفسه وإلى نفسه، لينال منه حكم البراءة وحق الحياة والخلود. فإن أخذنا المسيح بوسيلة النعمة المتاحة - مجاناً في نفوسنا لأنفسنا - وصار حياتنا، فعندئذ فقط نستفيد من حكم الموت الذي حمله عنّا؛ وفينا، مع المسيح إلى الأبد، تقيمنا معه قوة القيامة من الأموات التي أتمّها من أجلنا وفينا.

وإن كنت آكل جسده، القائم من الأموات، فهذا يعني أن خطاياي، التي حملها في جسده ومات بها - فأقامني منها وأسّس لي إنسانية جديدة - كل خطاياي تصير غير موجودة وغير محسوبة عليّ إلى الأبد. وإن كنت أشرب دمه، فهذا يعني أن دمه الطاهر المقدس، الذي قدّمه للآب ذبيحة وفداءً ومصالحة، هو لغسل الإنسانية وتقديسها وتطهيرها وفدائها ومصالحتها مع الآب.

«لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا.» — ١كورنثوس ٦: ١١

وهذا يعني أن حضور المسيح فينا - بكلمته وروحه وجسده ودمه - هو الضمان المستمر لاكتمال خليقتنا الجديدة وخلاصنا. أما بدون المسيح، وبدون جسده ودمه، فتصير أعمال المسيح نفسها بلا أي قيمة، وتبقى خارجنا لا تعمل فينا. لذلك ينبغي ألا ننسى أبداً أننا بدون المسيح نبقى مرفوضين. غير أن قبولنا للمسيح لا يعني مجرد إيمان لفظي أو ذهني، بل يعني قبول حياة جديدة في المسيح بسلوك جديد وحضور آخر بالروح القدس - غير وجودنا الذاتي - لأنه يشمل قبول موت حقيقي وقيامة حقيقية من ذواتنا ومن العالم. وكل هذه الأمور ليست صعبة ولا بعيدة عن الإنسان، بل هي ممنوحة له مجاناً بالإيمان. فإن قبلها، فهي فوراً؛ وإن استصعبها أو لم يؤمن بها، فتبقى بعيدة عنه ويبقى محروماً.

إن قيامة المسيح من الأموات بحياة جديدة في الجسد الذي أخذه منا، مُعلَنة بشهادة الروح القدس، لكي نعلم أنها قيامتنا وحياتنا لنا جميعاً، ولكي تصير لنا فعلاً إيجابياً منظوراً عاملاً في حياتنا الآن - يُعاش كل يوم وكل لحظة، وهو كله إدراك ويقين. فحياة المسيح بالإيمان والرجاء والخلاص مُعطاة لنا لكي ننال قيامتنا مع المسيح بالروح الآن؛ بل هي عطية وعمل سرّي، مناسب لكل واحد منّا، يمنح الإيمان في وقت «اقبلوا الروح القدس».

فإن كانت قوة المسيح حياة في صميم كياننا الروحي نسعى لزيادتها بالكلمة والأسرار، فماذا عن قبولنا للموت أيضاً كفعل، وعمله وأثره في حياتنا اليومية من منظور جسد الخطية؟ أي أننا نعتبر أنفسنا كل يوم أحياء من بين الأموات مع المسيح بالإيمان، وبرجاء حيّ نعيش كل يوم ملء فرح القيامة بشعور المبررين بدم المسيح. فقوة القيامة السارية فينا هي سبب فرح الشركة في قيامة المسيح المجانية، شاهدة على قوة الموت، أو الإماتة من جهة الخطية، حيث لا تستطيع الخطية بعد أن تفصلنا عن المسيح، ولا أن تحرمنا أبداً من دم المسيح، ولا أن تخفي عنا قامتنا الكاملة. فلن نرتكب بعد خطية للموت؛ بل إن أخطأنا، نخطئ للتأديب والتوبيخ والتعليم والإنذار - خطية قابلة للتوبة والغفران، لأننا نحيا مع المسيح.

والحظوة الصالحة التي نالها المسيح لدى الآب - بعد الطاعة حتى الموت، وواقع الصليب، وقيامته مع الآب، وجلوسه عن يمين العظمة في السماويات - هي في الحقيقة والجوهر حظوة لنا. بل نلناها في شخص المسيح لتبقى أبدية. وهبها الآب لنا فيما جاء به المسيح؛ فصوت من السماء أعلن به أن الآب يجد ذاته في المسيح. وقد نبّه المسيح أذهاننا أن هذا الصوت الذي أتاه من السماء هو من أجلنا: «لم يكن هذا الصوت من أجلي، بل من أجلكم.» لذلك فنحن واقفون ثابتون راسخون مع المسيح، فنحن في حالة مصالحة وسلام دائم مع الله، وفي حالة نعمة ثابتة. فلنا الآن سلام مع الله بيسوع المسيح، الذي به أيضاً حصل لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها ثابتون، ونفتخر على رجاء.

«إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار.» — ١يوحنا ٢: ١

فإذاً إن كنت وكيلاً موجوداً أنادي أمام آب شفع للأموات - الديّان الإلهي - فإن شفاعة المسيح كوسيط تعني أنه لا يستطيع أحد أن يشتكي علينا. وشفاعة المسيح ليست اعتباطية، بل هو نفسه دفع ثمن خطايانا، ودفعه عنّا لأنه رآنا مظلومين. وبقيامة المسيح من الأموات، تحمل في معناها غفراناً كاملاً غير مشروط ومصالحة. فبابنه الوحيد الحبيب، صار حكمنا، وصرنا صالحين، وسُترت ضعفاتنا. فالعطية مضمونة بضمان تجسد ابن الله في جسدنا، وبدوام قيامة ابنه في جسدنا الآن في السماء، وثابتة ببرهان شخص يسوع المسيح شفيعاً لنا.

الله هو الذي بادر بنفسه، نازلاً إلينا. هو الذي تكلم ووعد وتجسد وأكمل كل ما يلزم لخلاصنا وتجديدنا وتبريرنا وتقديسنا، ووهب كل ذلك من جانبه - دون أن يشترط علينا أولاً أو يضع شرطاً واحداً، ونحن أموات في الخطايا والزلات. لم يطلب منا أي طلب على الإطلاق. فالعطية إذاً فوق كل تأكيد، وفوق كل كفاية، وفوق كل سخاء، وفوق كل لطف، وفوق كل رحمة.

عمل كامل أتمّه الله من أجلنا في شخص ابنه الوحيد الحبيب، يسوع المسيح، ليكون لنا واقعاً حياً وموضوع إيمان ومنظور، ورجاء حياً نعيشه رغم كل ضعفنا وخطيتنا وبؤسنا واتضاعنا في الحاضر. فالإنسان الجديد ليس رجاء الإنسانية الذي تسعى وراء السراب وتتوق إليه في حاضرها المظلم، كما يظن البعض. بل هو رجاؤها الحيّ الذي تعيشه بأقصى درجات الثقة واليقين، محققة وجودها وكيانها بالإيمان والجهاد والسلوك في قلب الحاضر، حيث يُبتلع الضعف والخوف والموت والخطية في الغلبة والنصرة في شخص يسوع المسيح الغالب، الذي أكمل كل ذلك علانية وجهاراً، ليكون نصيبنا الدائم، إن تمسّكنا به ثابتين إلى النهاية.

فنحن غالبون ومنتصرون في شخص يسوع المسيح، رغم عجزنا وقصورنا وضعفنا، الذي يحمله المسيح عنّا بمحبته العجيبة وإنكاره لذاته وإخلائه نفسه، الذي به لا يزال يحمل كل الآلام. فكل من يؤمن به لن يُخزى أبداً. لقد ضمن المسيح خلاصنا وحياتنا وقيامتنا، إن تمسّكنا به وحفظنا وصاياه وسلكنا في نوره. فهو الضامن لذلك بحياته الخاصة وقيامته الخاصة.

«لأني أنا حي فستحيون أنتم أيضاً.» — يوحنا ١٤: ١٩

وعلاوة على ذلك، فإن ضمان خلاصنا وحياتنا الأبدية مرتبط أيضاً بكرامة الله الآب نفسه، الذي بذل ابنه لكي لا يهلك كل من يؤمن به، والابن من جانبه أطاع حتى الصليب، وذاق الموت بنعمة الله عن كل واحد منّا. فكيف بعد ذلك يستطيع الله أن ينقض وعده أو يعجز عن أن يهبنا معه كل ما يلزم لخلاصنا؟ إن كل التأكيدات والضمانات التي وهبنا إياها الله الآب لميلادنا الجديد وخليقتنا الجديدة لحياة جديدة - التي أكملها لنا في ابنه بكل حكمة وبصيرة، لتبقى حية وثابتة أمام أعيننا، والتي دفع المسيح ثمنها بذبيحة نفسه على الصليب وبذوقه الموت عن كل واحد، بكل طاعة وخضوع للآب وكل اتضاع وانحطاط أمام البشرية، حتى إلى العثرة والعار، دون أي تردد أو تذمر - كل هذا، من جانب الله، مُنجَز. وعلينا نحن أن نلتفت إلى أنفسنا ونسأل: كيف نستجيب لهذا من جانبنا؟

فلولا حالة الشقاء والضيق التي نحن فيها، ولولا كوننا تحت الرفض والعقاب، والموت يسود علينا كجزء من ميراثنا الملعون من آدم؛ ولولا أننا في كل هذا مظلومون ومخدوعون تقريباً بسلطان شرير يعمل في طبيعتنا بقوة تفوق إرادتنا - لاستحال أن نذكر كل هذه المرارة وكل هذه المحن والتنازلات في ذاته. لكنه جعلنا خليقة جديدة له، وفي آلامه المُعلَنة على الصليب وقيامته من الأموات يقف شاهداً دائماً أزلياً على تفوق رحمته على الظلم الذي حِيك لنا، وعلى تفوق نعمته على ضعف طبيعتنا التي ورثناها دون إرادتنا، وعلى تفوق تنازله على انكسارنا واتضاعنا وبؤسنا الذي نحتمله دون رجاء في أنفسنا.

فإذاً، الظلم الذي نعانيه من عدو لا يُقاوَم، ومن ضعفنا وخطيتنا التي ورثناها في هذا الجسد الترابي - كل هذا يدركه الله بنظرة فاحصة متوازنة عميقة. ويُجاب عليه برأفة تفوق الوصف، ويُقابَل بتضحية عظيمة تفوق العقل، وبرحمة غامرة ونعمة فائضة بقوته الذاتية الكامنة، الحاضرة معنا في كل حين، ليضمن ألا يختل ميزان القوى أبداً لصالح عدو حياتنا، وأن خالقنا الجديد

«...أحبني وأسلم نفسه لأجلي.» — غلاطية ٢: ٢٠

فكما تبتلع النار الهائجة قطرة ماء في لحظة، هكذا يبتلع الله خطايانا بروحه القدوس وبفعل دم ابنه، بغيرة أشد من النار الهائجة. وكما تواجه الشمس المشرقة الظلام، فتبدده وتحوّله إلى نور صافٍ ورؤية واضحة، هكذا أرسل الله لنا ابنه ليبدد حزننا وشكوكنا وقلقنا ومخاوفنا، لكي نثق بهذه الحقائق النقية الحية الواضحة التي تحتضن حياة الإنسان الذي خلقه على صورته. أي أن كل ما فينا من خطية وعجز ويأس وظلمة وضعف يفوق إرادتنا - كل هذا قابله الله برحمة ومحبة ولطف وقوة وتضحية تفوق الوصف.

لذلك، وإن كان قلبنا أحياناً مملوءاً بخطايانا وهلاكنا وأثقالنا وعجزنا ويأسنا من منظور إيماننا العقلي - رفيق شقائنا ومتاعبنا - فمن جانب الله، نلنا رجاءً حياً بقيامة يسوع المسيح، في حياة جديدة، بسلام ونصرة يفوقان الفهم. بل وُهبنا نعمة نبني عليها كل رجائنا، وفيه لنا سلام وبر وقداسة وفداء كحق أبدي لإنسان جديد، ضمنه الله، لا يستطيع الله أن يسحبه، ولا أن يسقط ثانية من رحمته، كما سقط آدم قديماً.

ولكن إن اعتبرنا هذين الموقفين أو هاتين الحالتين معاً - موقفنا أو حالتنا بما فيها من ضعف وخطية وشعور بالظلم ويأس من جانبنا، وهو شعورنا بإنساننا العتيق؛ وموقف الله تجاهنا بضمان ابنه يسوع المسيح لنا، الذي هو مصدر مؤهلات الإنسان الجديد - يا لها من رحمة عظيمة، ومحبة، ولطف، ورأفة، وتضحية بالنفس حتى الدم، وفداء مُقدَّم مجاناً - نقول، إن جمعنا هذين الموقفين معاً، فماذا ينبغي أن ينتج عن ذلك؟

إعلان الإيمان والثقة

1.

لا نهائية رحمة الله فوق شدة ضعفنا: إيمان بمحبة الآب ووعده فوق خطايانا، وثقة تتناسب مع الفعل الأقصى لمحبة الله الخالقة والمجدِّدة لكياننا، والأثر الأقصى لدم المسيح في الغفران والتطهير والتقديس، فوق كثرة خطايانا ونجاسات أفكارنا وقلوبنا، مهما عظمت.

2.

إعلان حياة الله في قيامة الأموات من أجلنا: أي إيمان ورجاء وثقة تتناسب مع لا نهائية قوة حياة الله فوق شدة آثار الموت وأمراض الموت العاملة فينا.

فإن بلغنا يقين الإيمان الكامل، واثقين بلا نهائية رحمة الله ومحبته في حياتنا الجديدة، وسفكه دمه لتقديسنا، وشدة قوته العاملة فينا لتجديدنا المستمر - نظراً لضعفنا وخطايانا وفنائنا - إذ إن كل جانب من كياننا مُقعَد - فماذا ينبغي أن ينتج عن ذلك؟ الطاعة له، والإجلال لكرامته، وخضوع شديد يبلغ درجة التمسك الكامل - تمسك الغريق الذي أمسك بيأس برجاء الخلاص، نظراً لاهتمام الله المستمر في عمله تجاه ضعفنا الشديد.

3.

الخضوع لمشيئة الله، استسلام كامل بلا أي خوف أو تحفظ أو خجل، مصحوباً بشكر مستمر يعطي الله كل الجدية والكرامة التي تنازل بها نحونا، خضوع يقودنا في حياتنا الجديدة ضد إرادتنا ورغباتنا العتيقة، مع وعي دائم بأن أي ميل نحو إرادة الذات في الطريق هو فقدان لجلال الله وبالتالي إضعاف ليقين الإيمان. وهذا يُضعف قوة عمل الله فينا، فيزداد ضعفنا مرة أخرى، حتى نُضطر - دون أي حق - إلى الاستسلام مرة أخرى ليد ذواتنا، ولرغبات شهواتنا وباطلنا.

4.

عدم الاعتداد بأي برّ ذاتي أو استحقاق، مهما عظمت أعمالنا في صورة التقوى والعبادة. بل تمسكنا بعمل الله الذي أتمّه لأجلنا في شخص ابنه وحده يبقى تمسكاً ثابتاً ملموساً، سواء من داخل ضمائرنا أو من خلال أعمال غالباً ما تكون غير ثابتة. فعمله المُعلَن صار في المسيح لأجلنا - وخاصة في القيامة من الأموات - صورة كاملة ونموذجاً لا يزول عنّا أبداً. وبِكر القيامة من الأموات هو النموذج الذي غلب عنّا الخطية والموت والفداء؛ فهو رأسنا والرأس الأسمى للكنيسة، الذي سيقيم كل جسد بكل أعضائه لمجد الآب وكرامته.

5.

يجب أن نشعر أن الله ألقى كل ثقله الإلهي - بكل مجده وكرامته، وبكل محبته وعنايته الخاصة، وببركته وحمايته الحية المستمرة وشركته معنا. إن هذا الشعور ينبغي أن يتحدى كل نظرة تشاؤمية تجاه واقع الإنسان العتيق الذي لا يزال يئن تحت ثقل الأهواء والرغبات والضعفات، ويعمل في خداع الباطل ومكر الشهوة. إن مثل هذا التحدي يجعلنا دائماً نلقي كل ثقتنا وكل ضعفنا على النعمة، لكي نتوافق مع عمل الله، ونتوافق مع مشورة الله، ونتوافق في أعماق ضميرنا مع نصيب الله - أياً كانت حالتنا. إن مثل هذا التحدي مفيد جداً للتقليل من شأن الخطية وقوتها وباطلها. إن مثل هذا التحدي ينقلنا سريعاً من شعور الإنسان العتيق المكروه وماضيه المظلم، إلى شعور الإنسان الجديد المحبوب ومستقبله السعيد المشرق.

وهذا الشعور المفرح، استطاع واضع الألحان المقدسة أن يعبّر عنه بقوله: «أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له. فلنسبحه ونمجده ونرفعه.» (ثيؤطوكية يوم الجمعة).

وهذا بالتحديد هو الشعور الإلهي الذي أملى على بولس الرسول كلماته لأهل كورنثوس:

«لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا، لنصير نحن برّ الله فيه.» — ٢كورنثوس ٥: ٢١

وقول النبي هوشع منذ القديم:

«سأدعو الذين ليسوا شعبي: شعبي، والتي لم تكن محبوبة: محبوبة.» — رومية ٩: ٢٥ / هوشع ٢: ٢٣

فإذا استطاع الإنسان - بيقين الإيمان وثقته القوية بالله - أن يقدم الطاعة والخضوع لله، متمسكاً بعمل الله الذي أكمله لأجلنا في شخص يسوع المسيح؛ وإذا استطاع أن يواجه ضعف الإنسان العتيق بتحدي عزم الله ذاته على خلاصنا وتقديسنا، الذي قرره الله وحدده بكل ثقل مجده وجلاله - نعم، إذا استطاع الإنسان أن يفعل ذلك - فقد نال حتماً قوة للعمل، وقوة للجهاد، وقوة للصراع، بلا هوادة ضد الإنسان العتيق.

فما هو إذاً هذا العمل والجهاد والصراع المستمر ضد الإنسان العتيق، وما هي قوته؟

إن أهم عمل ضروري لخلاصنا وواجب علينا كأبناء لله - وفي الوقت نفسه هو أول عمل يهم الله نفسه، وقد وعد بتوفير كل مساعدة ضرورية له - هو نيلنا الحرية الروحية. فمن المستحيل أن نصير أبناءه ونحن عبيد للخطية ورغبات الباطل. وهنا يلزمنا أن نجاهد ونسعى ونصارع، لا كعبيد يبحثون عن الحرية، بل كأبناء صاروا أحراراً ونالوا صك حريتهم بضمان موت المسيح وقيامته، فيجاهدون ويدافعون ويصارعون ليمتلكوا ما هو لهم - حقهم المتأصل، أي حرية البنين - التي صارت جزءاً أساسياً من طبيعتهم الجديدة التي نالوها بروح الله القدوس.

وكأبناء لله، حين نعمل ونجاهد، نصارع أمام الله الآب، باسمه ولأجل اسمه. لذلك لن يغيب عن أذهاننا أننا مُعانون في صراعنا ضد الخطية وضد رغبات الباطل بروح الآب، الذي نخضع له بكل طاعة وخضوع واستسلام. لأننا نعلم أن كل الذين ينقادون بروح الله هم أبناء الله. لذلك، وبسبب ضمان مجد الله وكرامته لبنوّتنا التي نلناها حقاً إلى الأبد في شخص يسوع المسيح، يجب أن نثق بأننا منتصرون حتماً في كل صراعاتنا إن كان صراعنا حقاً من أجل الآب، وباسمه ولأجل اسمه.

«الرب يحارب عنكم وأنتم تصمتون.» — خروج ١٤: ١٤

إن معونة الله الآب لنا، التي يقدمها لنا في صراعنا المستمر وجهادنا ضد الإنسان العتيق، هي وسيلة لتقدمنا.

«وكذلك الروح أيضاً يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، لكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا يُنطق بها.» — رومية ٨: ٢٦

إن كان روح الله هو المعين والسند في جهادنا وصراعنا ضد الخطية ورغبات الكبرياء، فهذا يستلزم ألا تكون أسلحتنا جسدية، كما يقول بولس الرسول:

«فإننا وإن كنا نسلك في الجسد، لسنا بحسب الجسد نحارب. إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح.» — ٢كورنثوس ١٠: ٣-٥

وهنا يشير بولس الرسول إلى أننا وإن كنا نحيا في الجسد العتيق، إلا أن الله وهبنا أسلحة روحية هي مواهب الإنسان الجديد. وهذا يذكّر أذهاننا أن إخضاع الجسد للعقل هو ليكون أداة لأداء أعمال تتم بالروح، أي بحرارة الروح وغيرة الروح.

«لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون، ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون.» — رومية ٨: ١٣

يجب أن يكون الصوم عملاً روحياً وقوياً. فإن قُدِّم بالجسد فقط، فهو عمل جسدي لا يمكن أن يقود إلى محاربة الخطية. أما إن قُدِّم بالروح الحي الساكن، مع صلاة حارّة متضرعة وغيرة، وبتوسل للخلاص والمواجهة، فيصير الصوم عملاً فعّالاً قادراً حقاً على هدم الخطية المتحصنة في الجسد، حيث يكون الروح هو قوة الصوم، ويصير الصوم أداة فعّالة في هدم حصون الخطية. فليلاحظ القارئ كلمة «قوة»، لأن أعمالنا قد نراها بنشاط وغيرة، لكنها لا يمكن أن ترقى إلى مستوى السلاح القوي الذي يغلب الخطية.

وهذا الملل الذي يؤدي إلى خطر عظيم في أداء الأعمال الروحية - حتى وإن كانت أعمالاً إلهية في ذاتها - بطريقة روتينية، يجعلنا نؤديها بطريقة جسدية، كالاعتراف والصلاة والتناول والمطانيات وحتى قراءة الإنجيل. فرغم أن هذه الأعمال أعدّها الله لنا كوسائل نعمة قوية وأسلحة روحية، فعّالة في محاربة كل أنواع خطايا وانحرافات الذات العتيقة، إلا أننا لأننا لا نرتقي بها إلى مستوى الحرارة اللائقة بالعمل الروحي المُؤدَّى باسم الآب ولمجد الآب، ولا نرتقي بها إلى مستوى السلاح الروحي المعروف ضد الخطية، فإن عملها يضعف بسبب ذلك ويضيع الجهد المبذول فيها دون ثمر واضح. والدعوة هنا هي أن نرتقي بالعمل الروحي إلى مستوى السلاح الروحي بكل جدية وحرارة وصدق، مستمدين من الله القدرة على الاستخدام والمثابرة والفعالية.