القمص متى المسكين • القيامة والخليقة الجديدة

القيامة والخليقة الجديدة

ليس المسيح القائم من الأموات مجرد مثال للحياة الجديدة، بل هو مصدر وخالق خليقة ثانية تتجدد فيها الإنسانية.

المسيح القائم من الأموات هو خالق الخليقة الأولى والخليقة الثانية

عندما قام المسيح من الأموات، قام بجسده عينه، ولكن في حالته الجديدة التي لم يعد الموت يسود عليها - كنموذج كامل للخليقة الجديدة. فهو ليس من الخليقة الجديدة، بل الخليقة الجديدة منه. لأنه هو خالقها في ذاته من أجلنا، ليمنحها لنا بالميلاد الجديد بالروح القدس في سرّ المعمودية. فكما منحنا آدم خليقته المائتة بالتناسل بالميلاد الجسدي، هكذا منحنا المسيح شركة الحياة كخليقة جديدة لا تلاقي الموت.

تبدأ الخليقة الجديدة منه، وأخذت بدايتها الأولى فيه؛ ولكنه كان قبلها وقبل كل خليقة، لأنه كلمته، الخالق، مع الآب منذ البدء. فبه تأسست الخليقة الجديدة وتجددت، لأننا أعضاء فيه.

خُلقت الإنسانية الجديدة في المسيح وبالمسيح، وانغمست في القيامة من الأموات. وقد وُجدت منظورة ومحسوسة للكثيرين، مع أنها كانت خفيّة في المسيح يسوع، إذ اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، وستبقى خفيّة عن العالم - لا تُرى إلا بعين الله، وبكل عين تُبصر بعين الله. فهذا هو سرّ المسيح الذي لم تعرفه الأجيال الأخرى، كما أُعلن الآن لرسله القديسين وأبنائه بالروح (أفسس ٣).

يتحد الجسد بالإيمان بالقيامة من الأموات وبالمعمودية بالمسيح. غير أن هذه الخليقة الجديدة، بكل مواهبها، تبقى جنباً إلى جنب مع الخليقة العتيقة، جسد الخطية. ومع ذلك، فإن الخليقة الجديدة وحدها هي المعتبَرة حقاً وناراً وحياة. أما العتيقة فما هي إلا كيان يتفكك ويزول مع الزمن - وكأنه كيان يسير خلفنا في العالم عبر الزمن، كظل لحقيقة أسمى منه بما لا يُقاس. تلك الحقيقة تسير أمامنا، ولكنها في أعماقنا، وهي بالتحديد المسيح القائم، ملكوت الله الذي في داخلكم.

«وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.» — متى ٢٨: ٢٠

وحالة هذه الإنسانية الجديدة تقول مع بولس:

«مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ.» — غلاطية ٢: ٢٠

خصائص الخليقة الجديدة وخصائص الخليقة العتيقة

هذه الخليقة العتيقة فينا آخذة في الزوال، بحسب أصلها الأرضي، في سعيها لكسر شرائع الله، جنباً إلى جنب مع الخليقة الجديدة - التي ليست تحت الناموس بل تحت نعمته، ومن أجله، فتحيا وتسبّح.

الأولى تتغذى على الكبرياء وتُحبَل بالشهوة؛ وهي نفسها تحت عبودية الزمن وتسير معه نحو الفناء. أما الأخرى فتتغذى بمحبة تتغيّر من مجد إلى مجد، وتتجدد كل يوم، تتحدى الزمن وتسير بثبات نحو الخلود، لأن الروح يغذيها، وتتعلم منه في كل شيء لتكون معه دائماً.

الخليقة الجديدة هي الصورة التي تُعلن محبة الله الفائقة ورحمته المُعلَنة. فإذا كان الله قد خلق الخليقة الأولى من العدم برهاناً على قدرته على كل شيء، فإنه خلق الخليقة الثانية من أعماق الخطية والموت كعمل من أعمال المحبة والرحمة الفائقتين.

«لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.» — يوحنا ٣: ١٦

الخليقة الأولى ورثناها بالجسد، ومعها الخطية وناموسها الذي يحكم بالموت.

«هأنذا بالإثم صُوِّرت، وبالخطية حبلت بي أمي.» — مزمور ٥١: ٥

ونحن أجنّة موت كامنون في أعماقها.

أما الخليقة الثانية فورثناها بالنعمة عن طريق المعمودية، حين متنا معه للموت وقمنا معه أيضاً؛ وفينا قوة القيامة. وجذر الحية المتمردة، قايين، موجود في صميم الخليقة العتيقة، التي لا تبرِّر أعمالها.

الخليقة العتيقة هي ما نمثّله على أفضل وجه حين نمضي لارتكاب الخطية بإرادتنا الحرة. أما الحقيقة المُحيية التي فينا فهي المسيح عينه القائم عن يمين الله، الذي يشفع فينا دائماً - فننال به مصالحة كاملة مع الله.

بأفعالنا العتيقة وتصرفاتنا الشاردة، تضطرب إرادتنا دائماً بسرعة، فنجد العزاء أمام الله الجليل في أوقات التوبة والندامة في أعماقنا بالنعمة. نطهّرها بالصلاة والمحبة؛ ويتجدد سلامنا مع الله، ونفتخر به، لا بأنفسنا بل بالحق الساكن فينا. ومع الله، الذي فيه كل كفاية، نُوضع في حالة مصالحة وسلام. ومن يوم إلى يوم نخلع العتيق لنلبس الجديد، الذي يتجدد فينا على صورة خالقنا، متحررين من الخطية، وبرّ المسيح يسود علينا.