قيامة المسيح هي القيامة ذاتها
لم يقم المسيح ببساطة كفرد واحد بين كثيرين. ففيه تصير القيامة حقيقة كونية تحدد مصير العالم.
هناك أشخاص قاموا قبل قيامة المسيح وبعدها. وكانت قيامة أولئك الأفراد خبرة شخصية خاصة لم تتجاوز عودة الشخص إلى الحياة الأولى في الجسد الأرضي لفترة، ثم الموت مرة أخرى. أما قيامة المسيح فكانت حدثاً شاملاً - لا فردياً - أفقاً مطلقاً على الخليقة كلها وكل ما فيها، بأثر دوري جديد يفوق الموت والحياة معاً في حالتهما الطبيعية المادية.
كانت قيامة الأموات عقيدة شائعة ومعنى مرتبطاً أساساً بالموت - بل بالحياة ذاتها - حتى قبل قيامة المسيح. وقد تناولها المسيح خلال حياته ليبرهن أنها أمر عظيم يأخذ كيانه بعد الموت، وأنها مرتبطة لا بالإنسان فقط لأنه يموت، بل بالله أيضاً الذي هو مصدر الحياة:
«وأما من جهة الأموات إنهم يقومون، أفما قرأتم في كتاب موسى، في أمر العليقة، كيف كلمه الله قائلاً: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب؟ ليس هو إله أموات بل إله أحياء.» — مرقس ١٢: ٢٦-٢٧
كانت القيامة هي هدف المسيح
أما بولس الرسول، فهو يرى بوضوح قيامة الأموات في صورتها الشاملة كموضوع أمامه، وقد عزم على إتمامها مهما كلّف ذلك من ألم وموت:
«ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الإنسان يُسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت، ويسلمونه إلى الأمم ليستهزئوا به ويجلدوه ويصلبوه، وفي اليوم الثالث يقوم.» — متى ٢٠: ١٨-١٩
لذلك يضع بولس الرسول، بترتيب متسلسل، وجود مبدأ قيامة الأموات قبل قيامة المسيح - لا من جهة العلة والسبب فقط، بل من جهة الإيمان والعقيدة أيضاً. فإذا لم تكن قيامة أموات، فلا يكون المسيح قد قام؛ وإن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم (١كورنثوس ١٥: ١٤). أي أن المسيح جاء ليكمل أو يدشّن عملاً كان معلقاً عبر العصور، وهو جزء أساسي من خلقة الإنسان وخلاصه وسعادته وعلاقته بالله. فالمسيح، وحده المسيح، أبطل أولاً سلطان الموت وبالتالي سلطان الخطية، وبذلك قيّد إبليس ليفتح الطريق أمام الإنسان إلى الحياة الأبدية والخلود.
قيامة المسيح تأكدت وامتدت لتشمل الطبيعة البشرية كلها
قيامة المسيح ليست مجرد فعل من أفعال المسيح، بل كيان جوهري له معناه الوضعي الكامل. فالقيامة والحياة الأبدية كانتا مخفيتين فيه، لكنهما ظهرتا بقوته:
«قالت له مرثا: أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا.» — يوحنا ١١: ٢٤-٢٥
لا تنحصر قيامة المسيح في شخصه، بل تمتد كعمل شامل يتخلل الطبيعة البشرية كلها، أي الإنسانية جمعاء:
«لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع. ولكن كل واحد في رتبته.» — ١كورنثوس ١٥: ٢٢-٢٣
ليست القيامة هنا مجرد جواب إيجابي عن مشكلة الموت، بل حاجة عميقة الجذور كامنة في جوهر خلقة الإنسان، الذي خلقه الله على صورته، مائلاً نحو الكمال. فالقيامة من الأموات لبلوغ الحياة الأبدية هي الهدف الأقصى لحكمة الله تجاهنا.
«فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضاً قيامة الأموات.» — ١كورنثوس ١٥: ٢١
«وأنتم أموات في الخطايا وغلف الجسد، أحياكم معه، مسامحاً لكم بجميع الخطايا... وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع.» — أفسس ٢: ٥-٦
«لأننا إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته.» — رومية ٦: ٥
أي أنه إذا كان الموت الذي مات المسيح من أجل البشرية كلها فعلاً كونياً احتضن الطبيعة البشرية كلها - أي أنه صار إنساناً - فكذلك القيامة احتضنت الطبيعة البشرية كلها، وبالتالي كل إنسان، لأن الطبيعة البشرية التي اتحد بها لاهوته هي في الحقيقة جوهر مطلق يمثل الإنسانية جمعاء.
وهذا لا يعني بأي حال أن قيامتنا تساوي قيامته، بل يعني فقط أن قيامته احتوتنا، باعتباره الكل المطلق:
«الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل. وهو رأس الجسد، الكنيسة، الذي هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدماً في كل شيء. لأنه فيه سُرَّ أن يحل كل الملء.» — كولوسي ١: ١٧-١٩
وهذا هو لكل من يؤمن، لأن الاتحاد بالمسيح يبقى فعل إيمان وقبول وإرادة - من جانب الله ومن جانب الإنسان معاً:
«لا يقدر أحد أن يقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني، وأنا أقيمه في اليوم الأخير.» — يوحنا ٦: ٤٤
وذلك لأن قيامتنا تستمد كيانها وقوتها ونورها وصورتها من قوة قيامته. وهي تشبه قيامته بقدر اتحادها به، لكن على مستوى اتحاد المحدود بالمطلق.
لذلك يوضح بولس الرسول هذه النقطة بوضوح بقوله عن اتحادنا بموته وقيامته:
«لأننا إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته.» — رومية ٦: ٥
فإن كنا بالإيمان والمعمودية نشابهه في موت الصليب ونشابهه في مجد القيامة، فذلك لأنه هو أولاً سعى ليشابهنا في كل شيء تسهيلاً لاتحادنا به، لكي نستثمر في قوة موته وقوة قيامته:
«فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية.» — عبرانيين ٢: ١٤-١٥
«من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء، لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً في ما للّه، حتى يكفّر عن خطايا الشعب. لأنه في ما هو قد تألم مجرباً، يقدر أن يعين المجربين.» — عبرانيين ٢: ١٧-١٨
وهكذا يتضح قول بولس الرسول:
«ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين.» — ١كورنثوس ١٥: ٢٠
أي أنه قام، معلناً بدء ملكوت الله - قائماً كمُبشِّر بعصر القيامة، وكمن سيتولى إقامة كل الراقدين الذين ماتوا بالإيمان على رجاء القيامة، كل واحد في رتبته، وذلك في اليوم الأخير. وعبارة «وأنا أقيمه في اليوم الأخير» كانت دائماً على شفتي المسيح ليعلن جوهر رسالته وظهور ذروة قوته وحكمته معاً.