القيامة والروح القدس
لأن المسيح قام وصعد، انسكب الروح القدس ليجعل القيامة حاضرة فينا الآن كعربون وتحوّل ورجاء حيّ.
من يعمل فينا لتحقيق القيامة جزئياً منذ الآن
«فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعاً شهود لذلك. وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه.» — أعمال ٢: ٣٢-٣٣
من المعروف جداً أن الروح القدس يُعتبر أثمن عطية وأعظم موهبة وهبها الله للإنسان. فقد أرسله الله كنتيجة حتمية لقيامة المسيح من الأموات - أي كنتيجة مباشرة لتحطيم سلطان الشيطان، ورفع لعنة الموت، وإبطال سلطان الخطية. وهذه هي الأمور التي كانت تعيق تأهيل الإنسان لرؤية الله أو الوجود في حضرته، والتي بالتالي حرمت الإنسان من نعمة الروح القدس ومواهبه وشركته.
لذلك حذّر المسيح تلاميذه قبل الصليب قائلاً:
«لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي.» — يوحنا ١٦: ٧
وكأن المسيح يريد أن يقول لنا إن انطلاقه - أي القيامة بما فيها الصعود - هو مصدر الخير الوفير لنا، وكأنه يتحقق لحسابنا، وأنه المصدر الأساسي الذي يتحقق به إرسال الروح القدس. لذلك، فإن عمل الروح القدس مرتبط أساساً بإعدادنا لحالة القيامة، أي لحياة سماوية كخليقة جديدة.
وتبدأ أعمال الروح القدس في الإنسان لتأهيله لبلوغ القيامة - أي الخليقة الجديدة - بالمعمودية من الماء والروح، التي يتحقق فيها الموت والقيامة مع المسيح بسرّ فائق:
«مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقمتم أيضاً معه بالإيمان بعمل الله الذي أقامه من الأموات.» — كولوسي ٢: ١٢
لكن لا يظنّن أحد أن بإمكان أي إنسان أن يبلغ حالة القيامة - أي التجدد كخليقة جديدة بالروح القدس - بلوغاً كاملاً في هذا الدهر، كما يوضح بولس الرسول هكذا:
«لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه، متشبهاً بموته، لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات. ليس أني قد نلت أو صرت كاملاً، ولكني أسعى لعلي أدرك الذي لأجله أدركني أيضاً المسيح يسوع. أيها الإخوة، لست أحسب نفسي أني أدركت. ولكني أفعل شيئاً واحداً: إذ أنا أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدام، أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع.» — فيلبي ٣: ١٠-١٤
يتضح هنا جلياً أنه مع كل ما وهبنا الله إياه من قوة القيامة في المسيح، ومع كل عطية الروح القدس، ومع كل سعي دؤوب وتقدم مستمر، لا نستطيع أن نؤكد أننا بلغنا ما بلغه المسيح لأجلنا - أي حياة القيامة الكاملة.
ويعود بولس الرسول في موضع آخر، كاشفاً أن فداءنا لا يزال غير كامل، إذ ننتظر فداء أجسادنا بالقيامة الأخيرة من الأموات التي ننتظرها برجاء حيّ:
«لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله... فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن. وليس هي فقط، بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا، متوقعين التبني، فداء أجسادنا.» — رومية ٨: ١٩، ٢٢-٢٣
ثم يحذّر بولس الرسول كل من يبالغ بخصوص إعلان القيامة - وكأنها قد حدثت بالفعل وكأننا نعيشها كاملة الآن - مُعلناً أن مثل هذا التعليم يقلب إيمان البعض:
«الذي فيه أيضاً أنتم، إذ سمعتم كلمة الحق، إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس، الذي هو عربون ميراثنا لفداء المُقتنى، لمدح مجده.» — أفسس ١: ١٣-١٤
أي أن عمل الروح القدس الآن فيما يخص شركتنا في قيامة المسيح لا يتجاوز كونه رجاءً حياً بحسب الحاضر، حتى يُعلَن بقوة عند اكتمال الأزمنة.
«مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حيّ، بقيامة يسوع المسيح من الأموات، لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السماوات لأجلكم.» — ١بطرس ١: ٣-٤
غير أن الروح القدس لا يبقى فينا بلا عمل، فهو يعيننا في صلاتنا وضعفنا. لكي نتحول عن صورتنا ونأخذ صورة المسيح الذي قام من الأموات، شيئاً فشيئاً:
«ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغيّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح.» — ٢كورنثوس ٣: ١٨
وهذا بحسب عمله فينا الآن: فهو يُعدّنا للنهاية المباركة، قيامة الأموات والمشاركة في مجد المسيح.
ولكي ندرك مدى ارتباط عمل الروح وأهميته فيما يخص القيامة، من الضروري أن نتذكر دائماً أن أول عمل قام به المسيح بعد قيامته هو أنه نفخ في تلاميذه الروح القدس وأودعه لهم، ليمكث معهم إلى الأبد لإتمام العمل بعد الصليب:
«فقال لهم يسوع أيضاً: سلام لكم. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس.» — يوحنا ٢٠: ٢١-٢٢
«وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق... لأنه ماكث معكم ويكون فيكم.» — يوحنا ١٤: ١٦-١٧
وهذا هو الروح القدس، المُعبَّر عنه دائماً في الإنجيل بروح القيامة، الذي كان العامل الأساسي في قيامة المسيح من الأموات:
«...وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات.» — رومية ١: ٤
وهو أيضاً من أُنيط به حتماً وضرورةً قيامتنا من الأموات:
«وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم.» — رومية ٨: ١١
وهنا يقرّبنا الروح القدس بعد القيامة إلى الآب، دون تمييز بين القريبين (اليهود) والبعيدين (الأمم)، لأن المسيح مات عن الفريقين وصنع الاثنين إنساناً واحداً جديداً أمام الله:
«ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به. وجاء فبشّركم بسلام، أنتم البعيدين والقريبين. لأن به لنا كلينا القدوم في روح واحد إلى الآب.» — أفسس ٢: ١٦-١٨