القمص متى المسكين • القيامة والرجاء الحي

جسد قيامتنا

جسد المسيح الممجَّد هو مصدر قيامتنا وصورتها، إذ ستتشكل قيامتنا على مثاله في عدم الفساد والمجد.

جسد القيامة، بادئ ذي بدء وعلى مستوى مطلق، هو جسد المسيح القائم. وحقاً، كان من المستحيل أن يُمسَك منه الموت؛ فقد قام بلحمه ودمه وعظامه دون أن يختبر فساداً، وهو الذي كُتب عنه أنه الذي «فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً» (كولوسي ٢: ٩)، جسده المجيد المتحد بلاهوته.

أما قيامتنا نحن، فمن المستحيل أن تكون بلحم ودم بشكلهما الحالي، ومن المستحيل أن ننتقل إلى القيامة دون أن نمر بالموت وتختبر أجسادنا الفساد:

«فأقول هذا أيها الإخوة: إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد.» — ١كورنثوس ١٥: ٥٠

أي أنه لكي نبلغ القيامة، يجب أن يلبس هذا الجسد الفاسد عدم فساد، وهذا الجسد المائت يلبس عدم موت. حينئذ تتم الكلمة المكتوبة: «ابتُلع الموت إلى غلبة» (١كورنثوس ١٥: ٥٤). والغلبة هنا هي غلبة القيامة بعمل الرب وروحه القدوس.

ويجيب بولس الرسول عن السؤال المحيّر: كيف يمكن للجسد المائت الفاسد، بعد أن يموت ويتحلل، أن يتحول إلى جسد لا يموت ولا يفسد؟ يقول بولس الرسول:

«فإن سيرتنا نحن هي في السماوات، التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح، الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده، بحسب عمل استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شيء.» — فيلبي ٣: ٢٠-٢١

لذلك، فإن جسد المسيح، القائم من الأموات، هو أصل الصورة ومصدر القوة الفائقة التي ستغيّر شكل أجسادنا، التي ستموت وتفسد، لتصير مرة أخرى - في القيامة - على صورة جسده المجيد. وهذا العمل الفائق يتبع ناموس المسيح بعد القيامة: «أن يُخضع لنفسه كل شيء».

أي أن أجسادنا، في القيامة، ستستمد شكلها ومجدها مباشرة من جسد المسيح. لذلك، فإن تعبير الكتاب المقدس بخصوص قيامة المسيح هو أنه باكورة الراقدين - لا كنموذج، بل كأصل ومصدر وحامل لخصائص القيامة الكاملة لأولئك الذين سيكونون معه ومنه ومن أجله:

«ولكن كل واحد في رتبته: باكورة المسيح، ثم الذين للمسيح في مجيئه.» — ١كورنثوس ١٥: ٢٣

أما حالة الشبه في جسد القيامة بين المسيح في مجده والمختارين الذين سيقيمهم ليكونوا معه، فقد تكرر وصفها في مواضع عديدة:

«لأن الذين سبق فعرفهم، سبق فعيّنهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين.» — رومية ٨: ٢٩

وبمجد القيامة، ستستمده الأجساد القائمة من جسد المسيح، كالشمس التي تُنير كل ما يقع في نطاقها:

«متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تُظهرون أنتم أيضاً معه في المجد.» — كولوسي ٣: ٤

ومع أن يوحنا الرسول عاجز عن وصف الأمجاد التي سنشارك المسيح فيها في القيامة، إلا أنه متيقن من أمر واحد يذكره:

«أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله، ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو.» — ١يوحنا ٣: ٢

أما بولس الرسول، فيذكر أن الجسد الذي سنقوم به سيختلف عن الجسد الذي نحيا فيه الآن - اختلافاً جوهرياً في أمور لا يحددها، لكنه يؤكد الاختلاف في طبيعته وقدراته:

«لكن يقول قائل: كيف يقوم الأموات؟ وبأي جسم يأتون؟ يا غبي، أنت ما تزرعه لا يُحيا إن لم يمت. وما تزرعه، لست تزرع الجسم الذي سيكون بل حبة عارية... ولكن الله يعطيها جسماً كما أراد، ولكل واحد من البزور جسمه الخاص. هكذا قيامة الأموات أيضاً. يُزرع في فساد، ويُقام في عدم فساد. يُزرع في هوان، ويُقام في مجد. يُزرع في ضعف، ويُقام في قوة. يُزرع جسماً حيوانياً، يُقام جسماً روحانياً. يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني. هكذا مكتوب أيضاً: صار آدم الإنسان الأول نفساً حية، وآدم الأخير روحاً محيياً. لكن ليس الروحاني أولاً، بل الحيواني، وبعد ذلك الروحاني. الإنسان الأول من الأرض ترابي، الإنسان الثاني الرب من السماء. كما هو الترابي، هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً. وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضاً صورة السماوي.» — ١كورنثوس ١٥: ٣٥-٤٩

والارتباط العجيب وغير العادي بين جسد المسيح القائم في المجد وأجساد القديسين في القيامة يصفه الكتاب المقدس بأنه ارتباط عضوي - وكأنه جسد واحد للمسيح، متشكّل باتحاد الأعضاء، فلا يُرى المسيح بدون أعضائه قديسيه، ولا تُرى هذه الأعضاء وحدها بدون المسيح:

«لأنه كما أن الجسد هو واحد وله أعضاء كثيرة، وجميع أعضاء الجسد الواحد، إذ هي كثيرة، هي جسد واحد، هكذا المسيح أيضاً. لأننا جميعنا بروح واحد اعتمدنا إلى جسد واحد، يهوداً كنا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، وجميعنا سُقينا روحاً واحداً... وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه فرادى.» — ١كورنثوس ١٢: ١٢-١٣، ٢٧

ويُلقي الكتاب المقدس مرة أخرى نوراً عجيباً ومهيباً على هذا الجسد العظيم للمسيح بأعضائه الجليلة، التي أنماها الله لذاته وغرسها في جسد المسيح بسرّ يفوق الفهم. وفي موضع، يعتبر الكتاب المقدس هذا الجسد العظيم للمسيح بأعضائه هو الكنيسة:

«الذي عمله في المسيح، إذ أقامه من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويات، فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة، وكل اسم يُسمى ليس في هذا الدهر فقط، بل في المستقبل أيضاً. وأخضع كل شيء تحت قدميه، وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكل في الكل.» — أفسس ١: ٢٠-٢٣

ومرة أخرى، يعتبر الكتاب المقدس أن جسد المسيح بأعضائه هو «بيت الله»:

«فمن ثم أيها الإخوة القديسون، شركاء الدعوة السماوية، لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته، يسوع المسيح... وأما المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن، إن تمسكنا بثقة الرجاء وافتخاره ثابتة إلى النهاية.» — عبرانيين ٣: ١، ٦

«كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً، كهنوتاً مقدساً، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح.» — ١بطرس ٢: ٥

ويعود بولس الرسول ليرى منذ الآن الجسد العظيم ينمو ولا يكف عن النمو؛ وهو ينمو على مثال المسيح الرأس، وكل أجزاء الجسد المتحدة بالرأس مترابطة، عاملة، خادمة، محبة، في وئام يفوق الفهم:

«بل صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس، المسيح، الذي منه كل الجسد، مركباً معاً ومقترناً بموازرة كل مفصل، حسب عمل، على قياس كل جزء، يحصّل نمو الجسد لبنيانه في المحبة.» — أفسس ٤: ١٥-١٦

يُلاحَظ هنا، سواء عند القديس بولس أو القديس بطرس، أنهما يختلسان نظرة من وراء الدهور إلى الصورة التي بعد القيامة - إلى هذا الجسد العظيم القائم بأعضائه المقدسة الكثيرة. فيندهشان اندهاشاً عظيماً ويعودان سريعاً إلى الحاضر، إلى الشبه والصورة. ويرى كل منهما أنه حتى وإن كان كل شيء يسير الآن بحسب القصد والغرض السعيد، فإن ذلك يتم جزئياً وببطء فقط، فيطالبان بمزيد من العمل والوعي والانتباه والحذر والصدق في خلع الإنسان العتيق.

فلنستمع إلى القول الذي يعمل به فينا القيامة من الآن في نفوسنا، ويرسم في كياننا صورة ما هو آتٍ:

«أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجددوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق.» — أفسس ٤: ٢٢-٢٤

«لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد، الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه.» — كولوسي ٣: ٩-١٠

خلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد - يتمّان الآن جزئياً

إذ نعلم أن خلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد، الذي هو على صورة خالقه، يتم الآن جزئياً فقط.

أولاً، كسرّ للعمل الخفي للنعمة:

«لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح.» — غلاطية ٣: ٢٧

ثانياً، كتعليم وإرشاد:

«يا أولادي، الذين أتمخض بهم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم.» — غلاطية ٤: ١٩

ثالثاً، كفعل إيمان وإرادة ودموع وجهاد ضد الخطية حتى الدم

ونحن لا ننال الثمن كاملاً، بل ما ننال هنا الآن هو مجرد عربون. لذلك، نئن بضيق لسببين: الأول أن الجسد ثقيل، وهمومه كثيرة، تحرمنا من متطلبات الحركة والحضور الدائم مع الرب. والثاني أن الوعد والميراث مصوّران أمام أعيننا في الإنجيل، محفوظان لنا في السماويات؛ نشتاق إليهما وكأنهما يحدثان أمامنا، فيُشعلان قلوبنا ويدعواننا إلى مزيد من الجهد لنغترب عن هذا الجسد.

ويصوّر بولس الرسول هذا المنظور تصويراً رائعاً في موضعين:

«فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا... فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن. وليس هي فقط، بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا، متوقعين التبني، فداء أجسادنا. لأننا بالرجاء خلصنا.» — رومية ٨: ١٨، ٢٢-٢٤

«فإننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من الله، بيت غير مصنوع بيد، أبدي. فإننا في هذا أيضاً نئن، مشتاقين أن نلبس مسكننا الذي من السماء... فإننا نحن الذين في الخيمة نئن ثقيلين، إذ لسنا نريد أن نُخلع بل أن نُلبس، لكي يُبتلع المائت من الحياة. والذي صنعنا لهذا عينه هو الله، الذي أعطانا أيضاً عربون الروح. فنحن واثقون كل حين، وعالمون أننا ونحن في الجسد مستوطنون فإننا متغربون عن الرب... فنثق ونُسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب.» — ٢كورنثوس ٥: ١-٢، ٤-٦، ٨